nasdahab@gmail.com

أحد الأصدقاء الأعزاء كان لا يملّ من أن يؤكد كلما رأى عازفاً عربياً شهيراً للبيانو أن ذلك العازف يؤمّن على أصابعه على اعتبار أن الأصابع تحديداً – وليست اليد إجمالاً – هي مصدر رزقه الذي يكفل له قوت يومه، فضلاً عن الشهرة التي تطبّـق الآفاق العربية. وكشأن أيام الجامعة فإن معلومة كتلك كانت كفيلة ابتداءً بإثارة حلبة من “الغُلاط” (المجادلة بالعامية السودانية) ينبري لها الهواة والمحترفون باتخاذ المواقف على طرفــَيْ الحلبة تأسيساً على الانطباع الذي تثيره المعلومة وليس استناداً إلى أية وثائق تؤكد صحة المعلومة أو بطلانها. وعلى ذات الأسس والأسانيد يستمر الجدال دون أن ينتهي بما يؤكد أو يدحض المعلومة، بل إن سيلاً متجدداً من المعلومات التي تحوم حول فكرة “الغُلاط” الأولى يــُــزج به إلى الحلبة فيتبرّع أحدهم على سبيل المثال مؤكداً أن معلومة تأمين العازف الشهير على أصابعه صحيحة على الأرجح حيث تنامت إلى مسامعه معلومة مماثلة (لا يتذكر مصدرها) عن مغنية عربية واسعة الشهرة والتأثير كانت تؤمن على حنجرتها. وإذا كان من فضل لحلبات “الغُلاط” الجامعي تلك فهو أنها قدّمت باكراً نماذج عملية لما أضحى لاحقاً، بعد سنوات طويلة، إحدى تقاليع التفكير الرائجة فعــُــرِف بـ “عصف الذهن” أو “عصف الأفكار”، اصطلاحاً ارتآه أولو الأمر من المترجمين أكثر أناقة في الدلالة على ما وراء المصطلح الأجنبي الذي يشير حرفياً إلى “عصف الدماغ”.

ومن فضل حلبات الجدال الجامعي ما امتـدّ فعصف دماغي حديثاً بشأن نظرية التأمين على أعضاء الجسد المُعينة على كسب الرزق، و في ذلك الأمر من السعة ما يجعله يشمل كل عضو في الجسد بقابلية التأمين كأصابع العازفين وحناجر المطربين وأقدام لاعبي كرة القدم وأنوف شمّامي العطور (المحترفين لهذه المهنة المنعشة) وألسنة متذوقي الطعام (المحترفين للمهنة الألذ والأكثر إنعاشاً) وظهور الحمالين (الذين تخلو مهنتهم من أية بواعث على استشعار اللذة أو الانتعاش) وآذان الجواسيس المرهفة وربما عيونهم كذلك كما يفيد مصطلح “البصّاصين” في بعض الثقافات، إلى آخر القائمة التي لا يكاد يحصيها من البشر سوى أساتذة علم تشريح الأعضاء بكليات الطب البشري.

على أن فقه التأمين على الأعضاء المعيلة لا يخلو من التعقيد والإرباك إنْ لعلماء التشريح أو فقهاء التأمين من القانونيين أو حتى للمؤمَّن لهم من أصحاب الأعضاء موضع الخلاف، فالرسام الموهوب على سبيل المثال لا يدري هل الأحق بالتأمين أناملُه المرهفة أم ما يبعث تلك الأنامل على الحركة مما هو أصل الإبداع من الأعضاء؟ وإذا جاز أنّ الأحق بالتأمين من أعضاء الرسام هو عضوه الأصل في الإبداع فإن الخلاف حول ذلك العضو يستدعي جدالاً على طريقة حلبات “الغُلاط” الجامعي سالفة الذكر، فالمشكلة ليست في أحقية المخ أو القلب بلقب عضو الإبداع الأصيل ولكنها فيما وراء العضوين الملموسين من مسميات لأعضاء غير ملموسة هي الأحق على الأرجح باللقب المتنازع عليه كالعقل والوجدان.

مجال المناورة في مسألة التأمين أكثر حرجاً مع الكاتب، فعضوه المعيل ينحصر لا ريب في ما يدخل في غير الملموس مما يطلَق عليه مجازاً صفة العضو، والحرج أكثر حدّة مع الشاعر لأن مسألة الإلهام حينها (خصوصاً لدى الشعراء العرب) تتعدّى المألوف من غير الملموس من الأعضاء إلى ما لا يتجرّأ مندوبو شركات التأمين على التفكير فيه – فضلاً عن لمسه – من الكائنات، فشياطين الشعراء في التراث العربي مسماة بأسمائها بما يجعلها أدنى تصوراً إلى الخاطر من ثنائية العقل والوجدان المراوغة حساً والمستحيلة لمساً.

وهكذا فإن من جملة نكد الدنيا على الكاتب أن التأمين على “أدوات الإنتاج” متاح لغيره من الكاسبين من صغار البرجوازية وكبارها، وهو (التأمين) على أضعف الإيمان موضع خلاف فيما يخص المبدعين من غير الكُـتاب، بينما الجدل حول تأمين الكاتب على أفكاره مساحة مجالها الأحلام، إذا كان واقع الكتابة الشقي لا يزال يأذن للوردي من الأحلام بأن يراود الفئة الأخصب خيالاً من المبدعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.