– *١* –

أعلنت مؤسسات حكومية معنية ، ان معدل التضخم قد انخفص فى الفترة الأخيرة ، الناظر و المتابع للواقع و المشاهد ، و تحديدا حالة الأسواق للشهور الماضية من هذا العام ٢٠٢٢ ، حرى ان يستوقف مليئا و طويلا و بعمق و تأمل اقتصادى حاذق و موضوعى ، من هذه الافادات الفطيرة ، و المبسترة ابتسارا غير حقيقى لذلك التحسن فى انخفاض معدل التضخم و بهذه البساطة ، خلال الشهور الاخيرة الماضية .. يتضح جليا ، و بالنظر العملى للماثل المشاهد فى اسعار السلع و الخدمات ، ان سياسات الإصلاح الاقتصادى و الإجراءات الاقتصادية الأخيرة ، قد القت بظلالها على اداء و مكانيزم السوق ، و ذلك بوصول سعر الصرف الى ٥٧٠ جنية فى السوق الموازى خلال هذه الايام ، بنسبة زيادة فاقت ٩٠٠% مقارنة بما هو قبل التحرير له ، مقرونا ذلك مع إلغاء نظام الدولار الجمركي قبل عام ، و تحريره كاملا ، و الغاء الدعم عن بعضا من السلع الاستراتيجية و الأخرى فى طريقها ، منذ بداية تتبنى برامج الإصلاح الاقتصادى المتفق عليه مع صندوق النقد و البنك الدوليين ، كل هذه السياسات و الإجراءات انعكست بصورة واضحة على اداء مكانيزم السوق سلبا ، و ادت إلى ضعف و تدهور فى القوة الشرائية للمواطنين ، مما ادى الى عزوف الكثيرين من المستهلكين عن شراء السلع والخدمات الأساسية..

– *٢* –

بملاحظة المتابع لحالة السوق بعد اعلان الجهاز المركزى للإحصاء بانخفاص معدلات التضخم ، يتأكد تماما ، ان الصورة مغايرة كليا ، لما هو مشاهد فى الواقع ، حيث ارتفعت المستويات العامة للاسعار لغالبية السلع الى مستويات عالية جدا على مدار اليوم ، سواء المحلية منها و هكذا المستوردة .. لا اظن الظروف الاقتصادية الماثلة ان هناك انخفاضا قد حدث فى معدلات التضخم ، الا ان المسوغ لتلك الاخبار ، هى من اجل إظهار الصورة الإيجابية للسياسات و الإجراءات الاقتصادية الأخيرة القاسية… قطعا — مما لاشك فيه ، ان تسببت تلك الإجراءات الاقتصادية بعالية فى المزيد من التدهور فى القدرة الشرائية لدى معظم المستهلكين ، مما ذاد من الارتفاع بمعدلات الفقر و العوز لغالية المواطنين ، نتيجة ارتفاع معدلات البطالة على مستوى واسع فى أوساط السودانيين ، الامر الذى خفض كذلك من القدرة الشرائية لدى معظم المستهلكين..

– *٣* –

ما حدث ، كما أعلنت الحكومة ، لا يمثل فى الظن ، مؤشرا للتعافى الاقتصادى بالمدلول الاقتصادى الحقيقى ، لكن اقل ما يمكن ان يقال عنه ، ان اداء الاقتصاد السودانى وصل بالفعل الى مرحلة الركود التصخمى ، و ما قد يسببه ، فى الوصول بالاقتصاد قريبا الى مرحلة الكساد ، الذى يتوقع يفضى قريبا لا محال الى الانهيار الاقتصادى ، و الذى بدأت اثارة واضحة للعيان ، متمثلة فى تراجع مستويات الطلب الاجمالى عن العرض الاجمالى للسلع و الخدمات فى الأسواق حاليا….

معلوم بالضرورة ، ان استمرار حالة الركود التضخمى لفترة طويلة من الزمن ، تفضى الى شيوع حالة من الكساد فى الأسواق ، و هذا هو الماثل الان ، بعد فقدان المستهلكين للقدرة الشرائية نتيجة تأكل دخولهم و ثرواتهم ، فى الظن ان هذا ما تسبب فى حالة انخفاض معدلات التضخم المعلنة مؤخرا ، و هذا لا يعنى ان هناك تحسنا فى اداء الاقتصاد ، بل مزيدا من الخنق…

– *٤* –

من المتوقع قريبا و فى ظل انخفاض معدلات التضخم المعلنة ، ان يتراجع و يرتد خاسفا خلال الفترة القادمة مره اخرى ، نتيجة لتفاقم الصراع السياسى الاستراتيجي للأمن القومى للسودان ، فى هذه الايام العصية من تاريخ السودان الحديث ، و عودة الارتفاع فى سعر الصرف مجددا ، اللذان يؤثران قطعا على الارتفاع بمعدلات التضخم فى الفترات القادمه ، مقرونا ذلك مع مؤجز تقرير التجارة الخارجية للفترة يناير – سبتمبر ٢٠٢١ ، حفظها بين انخفاض معدلات نسب الصادرات السودانية للاسواق العالمية ، وارتفاع نسب الواردات.. و استمرار عجز موقف الميزان التجاري….

– *٥* –

يعتبر التضخم ظاهرة هيكلية مزمنة لازمت و ستظل تلازم الاقتصاد السودانى ، و يعزى ذلك لاسباب عديدة منها ، على سبيل المثال ، لا الحصر ، منها ما هو متعلق بجانب العرض و هياكل الإنتاج المشوهه و إرتفاع تكاليف الإنتاج ، و الاخر متعلق بجانب الطلب المتزايد نتيجة لانخفاض الناتج المحلي الإجمالي ، الذى يتوقع ان يكون فى العام ٢٠٢٢ فى حدود سالب ٥%_ ، كما فى السنوات الاربع الاخيرة ، هذا بجانب تمويل عجز الموازنة العامة للدولة للعام المالى ٢٠٢٢، عن طريق المزيد من الاستدانة المفرطة من النظام المصرفى ، و الحقيقة ، تعد هذه هى الأسباب الحقيقية الكامنة وراء استمرار الحالة التضخمية الى فترة طويلة من الزمن ، و التى تؤكد استمرار ارتفاع معدلات التضخم الماثلة الان و مستقبلا ، بمعنى ، و كأن الهدؤ النسبى المعلن مؤخرا فى معدلات التضخم الان ، حالما يتوقع ارتفاعه مره اخرى قريبا ، هى بمثابة حالة طبيعية و ناتج متوقع كاثر للسياسات و الإجراءات الاقتصادية القاسية ، وليس مؤشر للتحسن كما هو معلن .. ..

– *٦* –

من اهم الأسباب الأخرى الداعمة للرأى بارتفاع معدلات التضخم فى الآجال القريبة ، هى مجمل السياسات الاقتصادية الجارية تنفيذها ، المحفزة لنار التضخم ، و هى بمثابة وقود على الزيت ، و ما قد تسببه من الوصول لحالة كساد كبير ، او ان شئت قل انهيار اقتصادى و مالى قريبا ، ربما يكون ذلك بواتير متصاعدة . و يتوقع ان تكون موازنة ٢٠٢٢، موازنة تصخمية بالدرجة الاولى ، لاعتبار انها اول موازنة بعد تعميق تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى ، و التى ربما نكون خالية تماما من المساعدات المالية و المنح الاقتصادية الدولية ، نتيجة الإجراءات السياسية الأخيرة ، و انسحاب البنك و صندوق الدوليين من الاستمرار فى دعم جهود الإصلاح الاقتصادى التى تبنتها الحكومة منذ ٢٠٢٠، عبر حزمة برامج وسياسات اقتصادية متفق عليها بمصفوفة زمنية محددة ، و لربما تكون لحالة الاحتقان السياسى الماثل بين مكونات الحكومة الانتقالية و حالة غليان الشارع الان ، ان تكون له اسقاطاتة على الموازنة العامة للعام ٢٠٢٢، بالجنوح و الركون الى تمويل عجز الموازنة من الاستدانة من النظام المصرفى(التمويل بطبع النقود) ، فمزيدا من التصخم المتوقع ، إضافة الى تنامى موجات و احتجاجات بدأت تدب فى اوساط العاملين بالقطاع الحكومى ، و المطالبة بزيادة الاجور فى بند التعويضات و غيرها من المخصصات مقارنة بنظرائهم فى المؤسسات الحكومية الأخرى ، مما قد يشكل ضغطا على حيز مالية القطاع الحكومى المنهكة اصلا ، هذا فضلا عن حالة التوتر و الهشاشة السياسية والأمنية فى الراهن الماثل …هذا فضلا عن سبب آخر حرى بالنظر اليه ، يتمثل فى ارتفاع نسب العملة السودانية المزورة و سهولة تزويرها من قبل جهات كثيرة ، هذا بجانب تنامى و بروز ظاهرة التفلتات الأمنية فى اجزاء واسعة من اطراف السودان ، التى دون شك تؤثر على مالية الحكومة ، بمزيدا من الانفاق الحكومى لحفظ الامن وبسط هيبة الدولة و مزيدا من معدلات التضخم المتوقعة ….

– *٧* –

من الأسباب الحقيقية التى تؤكد الارتفاع بمعدلات التضخم قريبا ، حالما استمرار حالة النزعات الاحتكارية و اشتداد الأنشطة الطفيلية لكثير من تجار الأزمات الماثلة ، مقرونا بعدم اكتمال و تجزأ الأسواق و غياب الدور المسؤول لوزارة التجارة فى الحاضر الماثل….

– *٨* –

ختاما ، ان الماثل الان ، ان الصورة الاقتصادية المشوهة ، المتمثلة فى التدهور المريع و المتردى فى معيشه كافة اهل السودان ، تعود أسبابه بالدرجة الأولى الى فقدان الرشد السياسى الاستراتيجي القومي لحكومة الفترة الانتقالية بكل مكوناتها ، و هيمنة حالة التشاكس و عدم الاتفاق حول المصالح العليا للوطن على المشهد السياسي ، و فرض الرؤى الأحادية و تمثلاتها و غيرها دون اكتراث لماهية الوطن و الوطنية …

هناك ضرورة ملحة الان، لفرض هيبة الدولة بالقانون والتوافق المجتمعى ، و لا يكون ذلك الا بالتوافق و الاجماع على تحديد مشروع وطنى سودانى اصيل ، و تبنى منهج الحوار الحقيقى ، للخروج من عنق الزجاجة ، الا و المزيد من التدهور و التردى الاقتصادى ، لا محال قادم و يستمر ، و بزوغ مستقبل مظلم للسودان ، حالما استمرت حالة التشاكس و عدم التوافق و الاحتكام لصوت العقل…

– *٩* –

لا يتوقع ان تأتى ملائكة من السماء ، لاجل حلحلة ازمات اهلنا السودانيين المرهقين من سلوك سياسه الغير راشدين …

alalla@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.