nasdahab@gmail.com

الاختلاف بين عبارتــَيْ “البقاء للأقوى” و”البقاء للأصلح” طفيف، غير أن البعض كان لحوحاً في العمل على إحلال المصطلح الأخير محلَّ المصطلح الأول على اعتبار أن الكائنات المؤهلة للبقاء ليست الأقوى عضلات بل الأقدر على التكـيُّـف. الخلاف لغويّ ظاهرياً وفلسفي فيما وراء الظاهر، فلغوياً “الأقوى” يمكن أن تعنى “الأصلح” إذا شمِلْنا مدلولَ القوة بنظرة بانورامية ولم نقتصر على التحديق في العضلات المفتولة، وإن كان التعبير الأكثر دقة كما نرى في الإشارة إلى الأحق بالبقاء وفق المفهوم الداروني هو “الأوفر حظاً”، فلا يعدو ما يعين على البقاء أن يكون سوى حظ مطلق سواء تمثل في القوة أو الصلاحية بصفة عامة أو ما عداهما من أسباب.

لا نغض النظر عن الاعتبارات العقائدية الرافضة للتفسير الداروني للبقاء، لكننا نستعير من ذلك التفسير عناوينه الجاذبة إضافة إلى فكرة يجب ألا تكون محلاً للخلاف مفادُها أن البعض يبقى لأنه تميـّـز عمن سواه ممن لم يبق بأسباب مــُـنحت له دون إرادته أو وعيه. وهكذا فإن الحقيقة مجردة تقضي بأن البعض يبقى والبعض يفنى، ولكن الحقيقة الأَوْلى بالانتباه فيما يخص معشر “الباقين” هي أن البعض يبقى أفضلَ من غيره، ذلك هو الشق الأكثر قسوة في نظرية البقاء والذي كان دارون ورفاقه مشغولين عنه فيما يبدو وهم يبحثون في سيرورة الوجود، فمن يفنى لا يعود مهتماً – وفق مدركاتنا – بحال من بقي على قيد الحياة، أما من بقي على ذلك القيد بقاءً بائساً فلعله يحسد من فني عندما ينظر إلى مـَـن استأثر مـِـن الخير بأعظمه وتمرّغ فيه ظاهراً وباطناً.

“الناجحون والفاشلون” مفهوم تنطبق قوانينه على الكــُـتــّاب كما تنطبق على غيرهم ممن بقوا لأنهم أقوى أو أصلح ممن ذهبوا إلى حال سبيلهم. وكما أن البقاء للأقوى أو الأصلح فإن النجاح للأقوى أو الأصلح، مع إسقاط كل خلافات الناس – لتفسير “الأقوى” و”الأصلح” – في نظرية “البقاء” على نظرية “النجاح والفشل”، وعليه فإن “الأوفر حظاً” هو التعبير الأكثر دقة مجدداً في الإشارة إلى الأحق بالنجاح.

ذلك تفسير يثير حفيظة الناجحين لا ريب، وهو يشبع تواضع الفاشلين في الوقت ذاته بلا ريب كذلك. لكن الأهم من إثارة الحفيظة وإشباع التواضع لهذه الفئة وتلك أن الطائفة “الأسعد” تكتسح الحياة على حساب الطائفة “الأتعس”، ولنغض الطرف ولو مرحلياً عن ادّعاء الأوائل أن سعادتهم من صنع أياديهم وعن تشبـُّـث الأخيرين بفكرة تعليق تعاستهم على حمّالة الحظ من منظور بانورامي.

بالعودة إلى الدارونية واستعارة تعابيرها على علّات أفكارها، ودون الولوج إلى نظرية “النجاح والفشل” من دهاليز مغالطات الحظوظ الباسمة والأخرى التعيسة، فإن الانتقاء الطبيعي يُسعد كاتباً بالبقاء على قيد الصحف والكتب والأضابير الإلكترونية فيقذف به إلى طائفة “الناجحين” على حساب آخر يـتم إقصاؤه إلى هوامش الكتابة فينحشر في زمرة “الفاشلين”. الطريف عندما يتعلّق الأمر بالكتابة (والفن عموماً؟) أن قدرة الكـاتب “الفاشل” على جرّ مغالطيه إلى دهاليز نظرية “النجاح والفشل” آنفة الذكر لا تقيِّدها حدود.

الكاتب الفاشل هو أحد ثلاثة: فاشل يستحق الفشل لأنه لا يملك من أمر الكتابة إلا النوايا الحسنة والأحلام، وآخر مجني عليه بالفشل لأنه يملك أدوات النجاح كلّها عدا الذيوع الذي يعكس إقرار الآخرين بموهبته وإنجازه ويلصق به في النهاية صفة “ناجح”، ولعل في تقدير الصفوة لذلك الصنف من الكـُـتــّـاب بعضاً من صور الإشباع الأدنى مرتبة لا ريب من النجاح مطلقاً. الأتعس حظاً من الكتــّـاب الفاشلين هو آخر الثلاثة، وهو ذلك الذي يملك بالفطرة أسباب النجاح في الكتابة لكن الانتقاء الطبيعي للكتــّــاب لا يمهله ريثما يكتمل أيٌّ من تلك الأسباب بين يديه لأن آخرين (سوف يـُـكتــَـب لهم النجاح لاحقاً) أبصرُ بشروط المنافسة والقتال في الحياة (مما لا دخل له بالكتابة) يـُـغذّون السيرَ في دروب النجاح التي لا تكلّف نفساً إلا حظها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.