nasdahab@gmail.com

المبالغة في تقدير الذات من أسلحة البقاء الفطرية التي تعين الإنسان على مواجهة الأرفع منه قدراتٍ وقدْراً دون أن ينهار أو يشعر بالإحباط. أحد أشهر الاستثناءات في هذا المقام المرأةُ، خاصة عندما يتعلّق الأمر بالجمال، فحواء تعرف قدرها من الجمال بدقة قياساً إلى من حولها من القريبات والجارات وزميلات الدراسة والعمل ونجمات التلفزيون والسينما وأغلفة المجلات وحتى عابرات السبيل، لكنها لا تجاهر بمنزلتها من الجمال (رفعة أو ضعة) ما لم يدْعُها إلى المجاهرة مقام عاجل بلغ فيه الاستفزاز على أحد الجانبين (الرفعة أو الضعة) مبلغاً عظيماً.

وتقدير الذات من دون مبالغة، أي إنزالها قدْرَها دون زيادة أو نقصان، من الأمور الفطرية كذلك. وهكذا فإن الانسان يبدو في صراع من أجل البقاء موازناً بين تقدير ذاته والمبالغة في ذلك التقدير بحسب المقام، ولكن هذا لا يمنع من تأكيد حقيقة أن أعظم الناجحين في الحياة بالغ في تقدير ذاته حتى انطلت المبالغة على غيره فصدّق أن ذلك هو أعظم الناس في مجاله وأذن له بالقيادة، وهنا تحديداً يبدو النجاح في البقاء مرتبطاً بالمبالغة في تقدير الذات ارتباطاً حصرياً.

الجمال من أدوات البقاء، بل البقاء بنجاح، لدى المرأة. لكن – عدا الدواعي الفطرية مما أشرنا إليه – ما الذي يجعل فتاة حسناء تدرك أنها كذلك وتتصرف بناء على تلك “الحقيقة”؟ يقول أحمد شوقي: “خدعوها بقولهم حسناء ** والغواني يغرّهن الثناء”، ما يشير إلى أن تبرّع آخرين (وأخريات؟) بتأكيد المعلومة من شأنه أن يدفع الحسناء إلى مزيد من الإيمان بقدراتها الجمالية.

ولكن هل تعين حملقة الحسناء إلى وجهها في المرآة على التثـبُّـت من حقيقة جمالها ابتداءً؟ السؤال الأصعب هو: هل تعين حملقة من ذلك القبيل حسناءَ على إنزال نفسها المنزلة الجديرة بها بين الجميلات أم أنها بحاجة إلى أن “يخدعها” الآخرون – على نحو ما رأينا مع حسناء شوقي – فتقيس ثناء الآخرين على جمالها بثنائهم على جمال الأخريات لتتحقق من منزلتها بينهن؟

لن نوغل في الإجابة على أيٍّ من الأسئلة الفائتة لأن ما يعنينا حقيقة في هذا الحديث – بعيداً عن العنوان المنتقى لدواعي الجاذبية – هو “جمال” الكُــتــَّــاب وليس جمال النساء. السؤال الأحق بالبحث – إذن – عن إجابة له في الأسطر المتبقية من هذا الحديث هو: كيف يدرك الكاتب أنه استثناء؟ أو: ما الذي يجعل كاتباً يفترض أنه أفضل من بقية الكُــتــّـاب من حوله؟ هل يكفي أن يحملق الكاتب إلى مقالاته، بعد أن يكون قد أشبع مقالات الآخرين حملقة، ليتثبــّـت من تلك “الحقيقة”؟ أم أنه بحاجة إلى ثناء الآخرين عليه على حساب زملائه كي يتيه عليهم باطمئنان؟

رُوِيَ عن البحتري أنه كان يُـنشد بين يدي الخليفة إحدى قصائده فيتوقــّـف بين الحين والآخر ويقول: “أحسنتُ والله”، وأظن أن البعض قد زاد في الرواية أن الشاعر الكبير كان يتفل في يديه ويفركهما وهو يردّد استحسانه لشعره حتى ضجر الخليفة. وليس مهماً أنه نعرف ماذا فعل الخليفة بعد أن ضجر ولكن المهم أن نتبصّر فيما عسى أن يكون من أسباب وراء ثقة البحتري إلى تلك الدرجة في جودة شعره وحسنه. ولعلنا لا نملك إلّا أن نخمّن أن قافلة، أو جيشاً، من المعجبين قد أوعز إلى تلك المكانة لدى الشاعر الكبير، وغنيٌّ عن القول بأن تلك القافلة أو ذلك الجيش ليس سوى المجتمع بأسره في زمان لم يكن فيه من قوت ثقافي لدى العرب سوى الشعر.

قصة سلفادور دالي وافتتانه بلوحاته مزدرياً لوحات آخرين تشير إلى الجانب الآخر من أسباب تقدير الذات مما يتعلّق بالحس النقدي الذاتي، فطرياً كان أو مكتسباً. التشكيل كان فناً ذائعاً بما يرقى إلى مرتبة القوت الثقافي الضروري (وليس الأوحد مؤكّداً) لدى مجتمعات مخملية عاش بينها الرسام الشهير، ولكن طريقة دالي في التعبير عن استخفافه بزميل كان يراه “أسوأ من أمسك بالريشة على الإطلاق”، إضافة إلى آرائه الدقيقة في لوحاته بما دفع ناقداً إلى القول: “لقد كان دالي يعي عبقريته بشكل مذهل”، كل ذلك يرجّح كفة الحس النقدي الحادّ الذي يمكن أن يصاحب حس الإبداع المرهف لدى فنان فيجعله يقف على أسرار “جماله” كاتباً، أو فناناً على وجه العموم، بشكل مزعج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.