عمرو منير دهب

nasdahab@gmail.com

ظفرتُ بلحظة كالخيال عندما أمسكت بقريبي الذي دنا من الشيخوخة وهو ينفث دخان سيجارته ويقاطع حديث زوجته بسؤال عارض في خليط من المفاجأة والشرود. استعدت انتباهي بسرعة حينما أدركت قيمة اللحظة التي بين يديّ لأعرف موضوع السؤال، فتعابير قريبي تلك مما انطبع في ذاكرتي منذ الطفولة متعلّقاً بأحاديث الكبار الجادّة التي نقع على لمحات منها ونحن نمرّ عبر جلساتهم في أنحاء البيت أو أيٍّ من المنتديات العائلية العامرة. انتظرت إجابة الزوجة بترقّب ولهفة لأستجمع منها ما غاب عني من خيوط الحديث فإذا بالإجابة: “نعم إنها حامل… منذ أربعة أشهر تقريباً”. حقاً! أهذا هو كلام الكبار؟

دون مبالغة أو تجنٍّ من أي قبيل أجيبُ على سؤالي أعلاه بـ”نعم” صريحة، فعندما يتعلق الأمر بمجالس “الونسة” العائلية – خاصة ما يجمع منها بين الجنسين أو بين رجل وامراته على الأقل – لن يكون الموضوع هو “قضية الشرق الأوسط” بل أسئلة وإجابات من القبيل الذي استوقفني في نظرات قريبي وأحبطتني بعدها إجابة زوجته للحظات قبل أن أفيق على ما يقذفه في روعنا التقدّم في العمر من حقائق.

في المقابل لن تخلو أحاديث الكبار بطبيعة الحال من أمثلة كانت ستوافق انطباعاتي عنها وأنا صغير لو أنه قدِّر لي أن أنصت إلى قريبي نفسه وهو في صحبة مجموعة من رفاقه يتحدّثون ليس عن “قضية الشرق الأوسط” بالضرورة.

انتقالاً من قريبي الذي أوشك أن يدرك الشيخوخة إلى زميل عمل هو بالكاد كهل، فإن الأخير يبعث داخلي الإحساس نفسه بتوقّع “كلام الكبار” عندما يتهيّأ للحديث في اجتماع عمل دوري، وبطبيعة الموقف لا تجيء مساهمات زميلي ذاك على شاكلة سؤال أو إجابة عن سيدة حامل، غير أنها في الوقت نفسه ليست في خطورة ما تشي به قسمات وجهه وهو يهمّ بتفريغ حمولة قلبه ولسانه من الحديث، مجرد كلمات تنمّ عن انفعال كان مكتوماً وأُذِن له بالانطلاق.

مثل أيّ سرّ مُحوَّط بالحُجُب نحمِّل – ونحن صغار – كلام وأفاعيل الكبار ما لا تطيق من المكانة في كل الأحوال، وعندما نبلغ من الكبر نفس المنزلة لن يكون غريباً أن يمنح صغارُنا أفعالَنا وكلماتِنا مكانة مشابهة على الرغم مما بات معروفاً عن تدفّق المعلومات وعصف الأفكار في أذهان أطفال هذه الأيام بما يفوق أضعافاً كثيرة ما كان متاحاً لنا ونحن في مثل أعمارهم، فالمسألة ليست متعلقة بمعلومة أو فكرة قدرَ ما هي مرتبطة بجلال الأكبر سنّاً وهو يستعرض المعلومة والفكرة.

ليس غريباً إذن أن يرانا صغارنا كباراً مهما اجتهدنا في التشبّث بتلابيب الفتوّة والشباب، فمن غير المنطقي أن نطمح إلى أن يسبغ علينا أطفالُنا هيبة الكِبَر ويستشعروا فينا انطلاقةَ الشباب في الوقت نفسه، وإن يكن صغارنا أحياناً هم الذين يبادرون من تلقاء أنفسهم إلى ذلك النمط المتناقض من الطموح.

مع حواء تحديداً يبلغ التناقض من القبيل المشار إليه أعلاه مداه الأقصي في البشر (ونحن بطبيعة الحال أمام متباريَيْن لا أكثر على هذا الصعيد) تقلّباً في استشعار أحلامهم وهواجسهم تجاه الكبر، فحوّاء الطفلة شديدة التوق إلى الانعتاق من الطفولة والصبا بحسبانهما سجناً مريراً لأنوثة قادرة على أن تحسّ بها بوضوح قبل أوانها، ثم لا تلبث حواء نفسها وهي على منتصف طريق الشباب أن ترتدّ فتعتنق أحلاماً جديدة من الصغر، أو على الأقل الطمع في البقاء حيث هي من عمر تراه حقيقاً بالخلود.

وآدم ليس بريئاً كما رأينا في مقام قريب من الترنُّح صعوداً وهبوطاً أمام شبح العمر، فهو يطمح إلى الكبر إطلاقاً للرجل الكامن فيه وهو صغير بدافع مما يستفزّه إليه الكبار – رجالاً ونساءً – من كلام كالخيال العذب عن الرجولة، ثم هو على منتصف طريق الشباب لا يسعه إلّا أن يحذّ في سيره إمعاناً في الرجولة بتأكيد إعلان التقدّم في العمر حتى إذا كان الكائن الصريح داخله يذرف الدمع على ما يتدفّق خلفه من قطرات ما تبقّى من الشباب، وهو بذلك يعيش أيضاً تناقض مشاعره تجاه الكبر، ولكن على طريقته الخاصة.

إذا كنا نرى بداهةً أن أحرى مراحل عمرنا بالثبات هي ريعان الشباب، فإن أجمل ذكرياتنا وأحق إنجازاتنا بالاحتفاء كثيراً ما يكونا بمنأى عن المرحلة التي نراها من عمرنا جديرة بالخلود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.