nasdahab@gmail.com

يصبح الكاتب أمام خيارين عندما لا يعود لديه ما يقوله: أن يعيد ما قاله أو أن يكف عن الحديث. كم من الكــُـتـاب يملك جرأة الإقدام على الخيار الأخير؟

في ثنايا كلا الخيارين ما لا يحصى من مبرّرات الإقدام عليه والإحجام عنه في الوقت ذاته، ويبقى تناول هذا الطرف أو ذاك من المبرِّرات منوطاً بخلفية الكاتب النفسية (والدوافع الاجتماعية، خاصة عندما تكون ساحة الكتابة في العالم الثالث). إذا كان الكاتب شديد الولع بالظهور فلن يكفي جفاف قلمه ولا حتى جفاف عقله لإقناعه بالعدول عن الكتابة التي تتيح له تواجداً تــَـحـسـد الكتابةَ عليه مهنٌ أخرى أجلّ خطراً وأظهر أثراً على الناس، وإذا كانت ثقافة الجودة غير ذائعة في المجتمع فاستمرار كــُـتـاب جديرين بالاستقالة أحدُ تجلّـيـاتٍ لا حصر لها لتداعي الجودة في ذلك المجتمع. في المقابل فإن إسراع كاتب إلى تدبيج خطاب الاستقالة لا يعدو أحياناً أن يكون استسلاماً للذة الكسل أو التراخي طموحاً إلى البقاء في خواطر قرّائه وهو في قمة مجده حتى إذا كان ما تبقــّـى من عمر الكاتب – إذا أحسن استغلاله – حريّــاً ببلوغ قمم متجدّدة للمجد.

وإذا كان فيما سبق أمثلةٌ من مبرّرات الإقدام على الاستقالة والإحجام عنها لدى نماذج مختلفة من الكــتــّـاب في أكثر من مجتمع، فإن دوافع كاتب بعينه في مجتمع ما قد تتأرجح بين ما يدعوه إلى الاستقالة تارة وإلى الإحجام عنها تارة أخرى، ولا أظن أن كاتباً لم تمنـــِّـه نفسه يوماً بالاستقالة والركون إلى ما يسمَّى بلذة ممارسة الحياة عوضاً عن التعليق على كل شاردة وواردة فيها، كما إن كتــَّـاباً كثيرين استقالوا بالفعل ثم عاودهم الحنين فأمسكوا بالقلم بعد سنين طويلة، وبالغوا في الاستمساك به.

وفي حين أن كثيرين كانوا شديدين في لومهم الطيّب صالح لإقلاله في الكتابة، فإن البعض في المقابل كان شديد الاحتفاء بشجاعة الأديب الكبير في الانزواء حينما لا يعود لديه ما يقوله. ولكن إلى أيّ حدٍّ كان الطيب صالح نفسه شجاعاً في الاعتراف بأن ما أقدم عليه هو استقالة (أو إجازة مفتوحة) بالمعنى الصريح للكلمة؟ يبدو أن صاحب “موسم الهجرة إلى الشمال” كان يؤثر مصطلح “الهجرة” – إلى شكل آخر من أشكال الإبداع – على “الاستقالة” أو “الإجازة المفتوحة”، فنظرات الطيب صالح مهما بلغت من الذكاء والطرافة في شعر المتنبي – على سبيل المثال – لم تكن عند كثيرين أبعد من “سياحة” أدبية لا ترقى بحال إلى منزلة “عمل” أدبي “جادّ” كالرواية المذكورة التي جابت باسم صاحبها الآفاق، ومع ذلك كان الأديب الكبير يبدو راضياً وهو يستجير بتلك “السياحة” من تهمة “الاستقالة” التي لم يقدر في الغالب على مواجهة تبعاتها كاملة.

دلال الكُـتــّـاب بالتمنــُّـع على الكتابة – والتمنــّـع من ثـمّ على الجمهور- لم يعد مما يُعذر فيه كلُّ من انتسب إلى الكتابة مع دخول الأخيرة في قائمة الحِرَف التي تمارَس من أجل كسب العيش واحتلال كثير من ضروبها مساحات كبيرة من المناهج الدراسية التي تدرَّس أصولُها في الجامعات والأكاديميّات المتخصصة، وعليه فإن عذر “الاحتجاب” – على اعتباره “استقالة” أو “إجازة” مؤقتة يُـنـظر إليها بقدر ملحوظ من التعاطف – لم يعد مشروعاً عندما يتعلّق الأمر بكتابة عمود صحفي وليس الفراغ من رواية أو ديوان شعر، إذا كان الداعي إلى الاحتجاب مشاكل تتصل بالإلهام الذي لا سيطرة للمبدع عليه كما تفترض بـديـهـيـّة إبداعية قديمة.

أكاديميّات الإبداع التي تــُـعــنـى بتلقين أصوله – لمن يملك الموهبة بالضرورة – بات انتشارها يهدّد مشروعية أعذار “الاستقالة” و”الإجازة” و”الاحتجاب” حتى عندما يتعلّق الأمر بكتابة قصة قصيرة أو قصيدة طويلة وعــَـدَ بها مبدعٌ صحيفةً يومية لنشرها في الملحق الثقافي الأسبوعي للجريدة.

إزاء ما سبق من فتوحات العصر الحديث (وليست الحداثة الأدبية بالضرورة) فإن العذر الوحيد الذي لا يزال مشروعاً أمام الكُــتــّــاب للاستقالة هو اكتشاف أحدهم أنه طرق باب المهنة الخطأ التي لا تناسب موهبته وإنْ وافقت هواه وأحلامه، عندها تغدو الاستقالة ضرورة حتى إذا جاء قرارها متأخراً، أما ما عدا ذلك من أشكال الاحتجاب فأحرى بالكاتب أن يدرجه معتذراً في استمارة “إجازة مــَـرَضية” ممهورة بتوقيع أحد أطباء الوجدان والمشاعر السقيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.