فيما أرى
1
تركنا في المقال السابق شوارع الثورة الثلاثة تموج بالتناقضات والشعارات والهتافات بعد أن كشفنا وسائل كل منها لتحقيق أهدافها، الآن لنترك شوارع الثورة ونمضي لأزقة العسكر. يمارس العسكر في هذه اللحظات لعبة ذكية ولكنها مكشوفة. تقوم اللعبة على إجراء حوار – أيّاً كان مستوى المشاركين فيه ووزنهم – ليفضي لحكومة مدنية شكلية. وإذا أفلحوا، سيرتاحون من ضغوط المجتمع الدولي ومطالبته بحكومة مدنية ليلقوا بالمدنيين فى محرقة الوضع الاقتصادي الملتهب، كما أنهم سيكفون أيديهم عن مواجهة الشارع مباشرة تاركين الحكومة القادمة تتحمل وزر مواجهته مباشرة ليديرون المشهد من وراء ستار. سيبدو ظاهرياً – للعميان فقط – أن مطلب الحكومة المدنية تحقق وانسحب العسكر لما وراء الستار أو سواتر المدنية.
2
الجوار العربي له رأي في مَن يحكم السودان والترويكا لها رأي آخر والأفارقة لهم رأي ثالث. المجتمع الدولي الذى يعانى من تشظٍ رهيب (صراع لباد فولكر) استطاع ممارسة ضغط عالٍ على الحرية والتغيير (جماعة المركزي) بإعلانه عن حوار روتانا ليأتي بها من الباب الخلفي للحوار مع العسكر صاغرة بعد طول تمنع. ليجعل الحوار أكثر شمولاً، وتلك واحدة من أهدافه المعلنة.
  الآن لدينا احتمالين، الأول أن ينجح حوار العسكر مع جماعة المركزي ويفضي إلى أجندة يتم التوافق عليها مع “أصحاب المصلحة” أجمعين، ولن تستطيع جماعة المركزي فرض أجندتها الاقصائية منفردة على الساحة تحت ادعاء أنها تمثل الثورة، فالزمن اتغير. ستكون عنصراً واحداً ممن سيشكلون المشهد السياسي.
الاحتمال الثاني أن يفشل حوار العسكر والحرية والتغيير وينجح حوار جماعة روتانا، وقتها سيجد المجتمع الدولي نفسه في مأزق متى ما توصل المجتمعون في روتانا ( هم أصلاً ما مختلفين في شي) لتوافق إذ لا يمكنه إلا أن يقبل بالنتائج التي تمخضت عنه، وإلا سيكون مسخرة!! إذ كيف يدعو لحوار ثم يُنكر ما توافق عليه السودانيون الذين استجابوا للحوار؟. إذا قبل المجتمع الدولي بما سيتمخض عنه حوار روتانا المرعي دولياً فإن حكومة مدنية (ذات مصداقية) معترف بها دولياً ستتشكل من كفاءات مستقلة. ليس أمام المجتمع الدولي سوى الاعتراف بها والتعامل معها رغم علمهم أنها ستتربى في أحضان العسكر، وقتها ستكون جماعة المركزي حكمت على نفسها بعزلة دولية وانفض عنها المجتمع الدولي الذي تعتمد عليه بعد أن ضعفت ضغوط الشارع.
3
تبقى الإسلاميين المستثنين من الحوار الوطني، المعلوم أن العسكر والمجتمع الدولي والجوار الإقليمي لن يتيحوا لهم فرصة المساهمة في تشكيل الساحة السياسية في الفترة الانتقالية ولعب أي دور، ويبدو أنهم قبلوا بهذا الوضع إذ لم يتكرموا ببيان تعليقاً على ما يجري من حراك سياسي، وينتظرون فقط ما تسفر عنه صراعات الكتل المتناقضة في الساحة السياسية لتحديد موقفهم، كل أهدافهم تنحصر في انفتاح الملعب بما يسمح لهم بممارسة السياسة دون ضغوط وإكراهات، ولتنتهي حالة الإقصاء والمطاردة التي عانوا منها خلال الثلاثة أعوام الماضية. هدفهم الوصول لمحطة الانتخابات بأقصر الطرق وأكثرها أماناً. وفي تقديري أن تلك استراتيجية صحيحة بقراءة الظروف المحيطة والتعقيدات التي تكتنفها وانشغالهم ببنائهم الداخلي وبناء تحالفات متعددة الواجهات استعداداً للمستقبل وذلك أفضل لهم من الخوض مع الخائصين في شغب العك السياسى الجاري الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.