nasdahab@gmail.com

كأنني كنت متهـيـِّــئـاً للردّ على نفر من المقرّبين حين عاجلني بعضهم ممازحاً وهو يسخر من الزمان الذي بات فيه الكُــتــّـاب يطوفون بكتاباتهم على القرّاء، حتى إن الكاتب بذلك يتجاوز – كما أفترض أن يجول في خواطر بعض أولئك المقرّبين مما منعهم الحياء من الاستفاضة في بسطه – منزلة بائع الصحف المتجول إلى حيث يقرّ في خانة الصبيان الذين يقذفون بأوراق الدعاية (تبشيراً بافتتاح صرافة عصريّة أو متجر حديث) من فوق أسوار البيوت وعبر نوافذ السيارات الرابضة في إشارات المرور. أقول كأنني كنت مـتـهـيّــئـاً للردّ على أولئك المشاكسين لأنني استقبلت لمزهم وغمزهم بهدوء (أكاد أقول بفتور) ثم واصلت صنيعي بثقة أحسد نفسي عليها، فلا تزال مقالاتي تتواثب على أسوار صناديق الوارد في البريد الإلكتروني لكلّ صديق.

في بواكير انتشار موضة “الديليفري” عربياً، استنكف حتى بعضُ أصحاب المطاعم من الولوج إلى تلك الظاهرة على اعتبار أن سمعة مطاعمهم أرفع من أن تطرق أبواب المنازل توسُّلاً إلى الزبائن، وفي هذا موافقة كاملة لبعض أوجه الطبيعة الإنسانية أيّاً ما كانت الصنعة التي يمارسها الإنسان، مــَـن مِنــّـا لا يحب أن يصطف الناس على بابه توسُّلاً إلى بضاعته؟ وعلى هذا فإن الأطباء الذين آمنوا باكراً بجدوى عيادة المرضى في بيوتهم يستحقون منــّـا ثناءً خاصاً لكونهم لم يربؤوا بالمهنة الأرفع قدراً في نظر الناس عن أن تخفّ إلى توصيل خدماتها للمنازل. نزجي ذلك الثناء الخاص مع يقيننا بأن إيمان أولئك الأطباء بجدوى توصيل الطِبابة إلى المنازل كان لدوافع مادية بحتة، بل إننا لذلك تحديداً نؤكّد ثناءنا الخاص لمن استبق الناس في مصالحة وجه آخر للطبيعة الإنسانية ممثــَّـلاً في السعي الحثيث وراء المال بلا مواربة، وهكذا تأكّد إلى مدى بعيد أن الغلبة في مباريات فِرَق الطبائع الإنسانية – إذا تــُـرك التحكيم لقوى السوق الحرة – إنما هي لما نجاهد في إخفاء شغفنا به مما هو على شاكلة الجشع من الغرائز.

الحمد لله أن توصيل مقالاتي لحسابات الأصدقاء عبر البريد الإلكتروني هي خدمة مجانية، وعليه فإنه لا يزال بإمكاني أن أدّعي الصمود أمام غريزة الجشع عندما تتعلّق تلك الغريزة بالمال. هذا توضيح لا بدّ منه من باب الأمانة في النقل لأن جشع الكُــتــّــاب إزاء الانتشار غريزة إنسانية أخرى ذات شجون، وهنا يطيب لي أن أتبرع باعتراف مفتوح على مصراعيه خلاصته أنني لا أربأ عن الاحتيال إلى الانتشار بكل وسيلة “مشروعة”، وأضيف صفة المشروعية إلى الوسيلة لكي أنأى باعترافي عن أن يقارَن بتصريح مـمـثــِّـلـة محترمة تقول إنها لا ترى بأساً بتمثيل أي دور تقتضيه الضرورة الفنية، أو تصريح ممثلة أخرى لا تزال على أول الطريق لا ترى بأساً بتمثيل مشاهد لا تقتضيها أية ضرورة فنية من أجل الانتشار.

وطالما أن المال هو الغائب غالباً في حياة الكــُـتــّاب كعائد للكتابة، والغائب باستمرار في حكايتي تحديداً مع الكتابة، فإن تبرُّعي بإيصال ما أكتب – كما أكّدت لأصدقائي اللمّازين المشار إليهم أوّلَ الحديث – إلى كل قارئ في بريده الإلكتروني مسألة تتعلّق بحصولي على عنوان بريد القارئ الإلكتروني ورغبة ذلك القارئ في أن أحلّ ضيفاً عليه، ليس أكثر من ذلك.

لا اعتبارات أخلاقية “ترفُّعيّة” في إيصال ما يُكتب إلى القارئ ما دام الأخير يـتـقـبـّـلـه قبولاً حسناً، فإذا كان الأمر متعلِّقاً بالمال فإن خبراء تسويق الكتب الأكثر رواجاً في أمريكا يعاملون بضاعتهم تماماً كالمواد الغذائية المعلّبة من حيث قوانين السوق وشروط التسويق فتحقق عائداتها بملايين الدولارات. وإذا لم يكن للمال محلٌّ من الإعراب في علاقة الكاتب بما يكتب ومن يكتب لهم فما غضاضة أن تصل رسالته إلى كل القرّاء بيده أو بيد عمرو؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.