فيما أرى

1
قال الأستاذ خالد عمر يوسف في ندوة (تحديات وفرص الانتقال الديمقراطي في السودان)، التي عُقدت بالأمس في الدوحة بمركز دراسات النزاعات والعمل الإنساني التابع لمعهد الدوحة للدراسات العليا، هناك ثلاثة تحديات رئيسة تواجه الفترة الانتقالية، أولها وحدة قوى الثورة، ثم تاسيس جيش مهني موحّد، ثم توسيع قاعدة الانتقال. وأكد أن بدونها لا يمكن أن يحدث انتقال ديمقراطي في السودان. كما أن بقاء السودان نفسه سيظل مهدداً كدولة وكيان.
2
لا يكاد المرء يختلف مع السيد خالد حول أهمية الثلاث نقاط المثارة إلا أن إثارة القضايا المعلومة لا تُغني عن الحق شيئاً. كانت أهمية ومخاطر تلك القضايا ماثلة منذ اليوم الأول للانتقال وليست هي اكتشاف جديد أدرك خالد مخاطره الآن. السؤال الذي يواجه الأستاذ خالد، ماذا فعل تحالف الحرية والتغيير لتجاوز تلك المخاطر التي تُهدد بقاء السودان نفسه.؟. لا شيء، حتى على المستوى النظري. فلقد ظلت قوى الثورة متشرذمة، بل وازادات تبعثراً أيام حكومة الانتقال الأولى، فجمّد الأمة عضويته في التحالف، ونادى الحزب الشيوعى بإسقاط حكومة حمدوك، وأفرغ كل جهده لإنجاز ذلك، وانسحب من انسحب حتى أصبح التحالف جسداً مهلهلاً بلا رأس. في الناحية الأخرى ظلت القوى السياسية ترفع شعار هيكلة القوات المسلحة وخلق جيش مهني موحّد دون طرح أي فكرة يمكن أن تقود إلى ذلك، وها هو خالد يكرر ذات المقولات دون أن يكون بين يديه خارطة طريق.(سخر خالد من المدنيين الذين يدعون لهيكلة القوات المسلحة من دون مشاركة العسكريين). الآن على ذات نهج العشوائية التي أدار بها تحالف الحرية والتغيير الدولة بطرح الشعارات المعلقة والهتاف الذي لا يعقبه سوى الفراغ.
3
كنت أتوقع من تحالف الحرية والتغيير بعد تجربة بائسة وقصيرة في الحكم أن يدفع ببرامج وأفكار حول ما يود أن ينجزه إذا ماصعد إلى السلطة مرة أخرى، عسى أن يجد من يصدقه. دعونا نأمل أن يحدث ذلك في الترتيبيات الدستورية الجديدة التي يزمع تحالف الحرية والتغيير إعلانها خلال أسبوعين بحسب إفادة محمد الفكي. بهذه المناسبة أنكر خالد تصريحات ود الفكي لسودان تربيون وقال إنها فُسّرت خطأ، قائلاً أن الترتيبات الدستورية المقترحة ستعلن وسيجرى التشاور حولها، وصمت عن موضوع إعلان رئيس وزارء.!! يبدو لي أنّه ليس هناك خطأ في تصريح ود الفكي، إنّما الكشف عما يجري في الخفاء قبل أوانه فذلك هو خطأ ود الفكي. والحقيقة أن دوائر في حزب الأمة طرحت اسم الدكتور حامد البشير كرئيس وزراء، ووافقت عليه بعض أطراف الحرية والتغيير ولم يرفض العسكر المقترح حتى الآن.
4
التحدي الثالث وهو توسيع قاعدة الانتقال، مشيراً إلى أنّه يستحيل خلق حالة انتقال سلس دون مشاركة واسعة.!!. على صحة الفكرة ولكن بدت لي غريبةً. مدهش المهندس خالد.. الآن طارت السكرة وجاءت الفكرة!!. بحت أصواتنا وأصوات غيرنا في تسويق فكرة توسيع قاعدة الانتقال ولكن لا أحد كان يسمع. عندما تكون في كراسي السلطة وتتلبسك نزوات احتكارها للأبد، غالباً ما تُصاب بصممٍ عجييب.
الآن يطرح خالد ذات الفكرة خارج صندوق التفكير القديم، فتوسيع القاعدة التي ستؤسس لها الترتيبات الدستورية المزمعة ستشمل كل المؤمنيين بإبعاد المؤسسسة العسكرية عن السلطة وبالتحول الديمقراطي أو كما قال.!!. حسناً.. كيف يمكن قياس الإيمان بالتحول الديمقراطي؟ مثلاً الأحزاب التي كانت متحالفة مع الانقاذ (السيسي/ مبارك الفاضل/الشعبي) هل يمكن أن يكونوا جزءاً من الترتيبيات الدستورية؟.. الطرق الصوفية والإدارات الأهلية وعسكوري وأردول والمليشيات. اما الحركات المسلحة (المتواطئة) الآن مع العسكر فلقد أعلن السيد خالد أنه مرحب بها ومطلوب منها تصحيح موقفها بالاصطفاف مع قحت ضد المؤسسة العسكرية، وهى النقطة الذكية التي نبه إليها دكتور أبوبكر محمد أحمد في تعقيبه على خالد، ففي رأي المعقب أن رهان خالد على الحركات المسلحة رهان مقلق ويفوت فرصة استثمار إتفاق جوبا لصالح استدامة السلم ووقف الاحتراب، بدعوة الحركات المسلحة للدخول في مواجهة مع الجيش مجدداً نصرة لقحت.!
طيب الكيزان كيف.. لو قالوا إنهم تابوا وآمنوا بالتغيير وأعلنوا إيمانهم بالتحول الديمقراطي ثم وافقوا على ابعاد الموسسة العسكرية عن السلطة.. ما وضعهم؟.. هل يمكن أن تشملهم الترتبيات الدستورية؟. أم أن تلك الترتيبات مفصّلة جاهزة على مقاسات أحزاب وجماعات معينه؟. إذا كانت كذلك فهي ذات فكرة الإقصاء العقيمة ولن تنتج إلا مزيداً من التشرذم، ولن تنجح ترتيبات دستورية لا أمنية ولا يحزنون.
5
ما أحزنني أيضاً ألا يكون الاقتصاد جزءاً من تحديات الفترة الانتقالية، ولا كلمة قيلت في تلك الندوة عن المخاطر التي تحيط بالانتقال والسودان إذا استمرت الأزمة الاقتصادية وتداعياتها على مجمل الأوضاع المعيشة والسياسية. هل يظن السيد خالد أن الشعب الجائع المقهور سيظل يراقب صراع أفيال الانتقال التي تبحث عن الكراسي في وقت تبحث فيه الجماهير عن الخبز الحافي؟. ليل الأوهام قصير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.