في ما أرى

غاب من بعد طلوعٍ وخبأ بعد التماعِ.
(1)
حين فتحنا أعيُننا على الحياة ونحن في مراتع الصِّبا في الحي الثامن بمدينة الدويم، كان “الطيِّب حاج” نجماً في سماء المدينة، كان حُضوره إلى الدويم خبراً يستحق احتفاء المدينة، وكثيراً ما تفيض حيشان “حاج عطيَّة” بالضيوف وتعمر ليالي الأُنس في المدينة. كنا نجلس إليه لنستمتع بأُنسه وحكاياته التي لا تنفد عن بلاد الغُربة. كنتُ وصديقي كمال علي نُكثِرُ من زيارته، لشغفنا بالحديث حول الإعلام، فتتلمذنا على يديه في وقتٍ باكر من حياتنا.

(2)
حين قَدِمتُ إلى الجامعة، لم تكن هناك كليَّة إعلام، فالتحقتُ بكليَّة الاقتصاد، إلاَّ أنَّ كُليَّتي التي درستُ فيها حقاً كانت “قهوة النشاط”، حيثُ كنا نُصدِرُ صُحُفنا الأسبوعيَّة ومن ثمَّ التحقتُ بجمعيَّة الصَّحافة التي كان يُشرف عليها “الطيِّب حاج عطيَّة”.. كانت جمعيَّة الصَّحافة تبعثُ سنوياً عشرات المُتدرِّبين لكورساتٍ في الصُّحُف القاهريَّة، فنلتُ حظي من تدريبٍ سنوي مجاني طيلة سنواتي بالجامعة.

حين تخرَّجنا إلى الحياة العريضة ودخلت عالم “البزنس”، لم تنقطع علاقتي به، وكان دائماً يقول: «أنت صحفي ستعود كما كُنت».. بالفعل عُدتُ، وما فيها ندامة.

(3)
حين فكَّرتُ في تأسيس صحيفة ‘الأحداث’، كان هو أوَّل شخص أذهبُ إليه لاستشارته، فنفعني بنصائحه وعلمه، ثمَّ أكرمني بموافقته لرئاسة مجلس إدارة الصحيفة، رغم أنه رفض عروضاً كثيرة من الحكومة والقطاع الخاص للارتباط بأيَّة صحيفة.

(4)
الذين عرفوا “الطيِّب” من بعيد، أسَرَهُم بعلمه الغزير وخُلقه الرَّفيع، والذين اقتربوا منه عرفوا فيه ذلك الإنسان الرَّائع، حُلو المَعشِر، سَمحُ النفس، ذو بديهة حاضرة وروحٌ فَكِهَة. أمَّا الذين أسعدتهم الحياة فعاشوا حياتهم بجانبه وتتلمذوا على يديه، وعملوا معه وسافروا برفقته واستمتعوا بالأُنس معه لليالٍ طوال، هؤُلاء حصدوا نعيماً يُحسدون عليه، وكاتب هذا المقال منهم لحُسن حظه.

أكثر ما أسعدني أنَّ أستاذي “الطيِّب” ظلَّ واقفاً يحمل قلمه وطبشيرته، وما عرف سواهما في حياته، ورغم المرض وضوائق الحياة لم يدع أياً منهما يسقط بين يديه، فظلَّ عطاءً لوطنه، مُتصلاً حتى آخر يوم في حياته، حين قدَّم مع آخرين المبادرة القوميَّة للسَّلام والإصلاح.. ولم أعرف رجلاً أحبَّه السُّودانيون بكل أطيافهم مثل “الطيِّب حاج عطيَّة”، ولا ينافسه في ذلك إلاَّ الطيِّب صالح رحمة الله عليهما.

(5)
لن يملَّ تلاميذه من ذكر أفضاله عليهم، ولن ينسى أصدقاؤه أيامه بينهم، كما ستذكره الدويم بالخير كله، ابناً من أبنائها ورمزاً من رُمُوزها.. أمَّا أنا، فسأبكي عليه ما حييتُ.. كلَّ خوفي أن ينسى السُّودانيون تلك الجُهُود الجبَّارة التي كان يبذلها الفقيد من أجل السَّلام والإصلاح، وكرَّس حياته العامرة بالعطاء لهما.. رحم الله أستاذنا وجعل مثواه عليين.. يااااا رب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.