في ما أرى

1
في الحلقتين السابقتين من هذا المقال حاولت النظر لدور المؤسسات التي تساعد في اتخاذ القرار، تتبعت الدائرة الأولى وهي دائرة الأجهزة الأمنية (الاستخبارات وجهاز المخابرات العامة)، ثم نظرت في وزارتي الخارجية والمالية واليوم ننظر في (رجال حول الرئيس)، من هم وماذا يفعلون وكيف يؤثرون في قرارات الرئيس؟. أقصد برجال حول الرئيس، تلك الشخصيات التي لها علاقات بالرئيس بشكل مستمر ودائم بسبب ارتباطات العمل اليومي، إو عبر التقارير أو اللقاءات المباشرة أو الاجتماعات أو الصداقات الممتدة.
2
لنترك الحديث الآن عن النائب السيد حميدتي لنهاية المقال، لنرى مَن مِن الرجال المؤثرين حول الرئيس الآن. هناك أربع شخصيات تتسنم مركز القرار في دولة البرهان وبينهما علاقات ممتدة ومعارف قديمة وبعضها يعود لرفقة الدفعة 31 وهي الدفعة التي هندست التغيير فى 11 أبريل 2019 ( البرهان /جلال الشيخ/ عمر زين العابدين/ ) .
أولى الشخصيات الجديرة بالاهتمام هو الفريق إبراهيم جابر وهو من الدفعة 34 ( البحرية). يمسك إبراهيم الآن بملف الاقتصاد تقريباً إلى جانب إشرافه على كل شركات واستثمارات الجيش، مايميزه أنه الشخصية الوحيدة التي تتمتع بثقة البرهان، والنائب حميدتي لأسباب معلومة. القرارات الإقتصادية التي تتخذ الآن تكاد تنحصر بينه وبين وزير المالية السيد جبريل إبراهيم. يتلقى الرئيس تنويره حول الإقتصاد من الأجهزة الأمنية وجابر وجبريل. يحدث ذلك في السياسات الكلية، أما السياسات التفصيلية غالباً مايسمع بها الرئيس من الإعلام (مثل قضية زيادة الدولار الجمركي التي تشتعل الآن). ليس هناك جهة مستقلة تدرس القرارات الاقتصادية وتقدم فيها توصيات للرئيس…الوحيد الذي له علاقة بالاقتصاد من رجال حول الرئيس هو السيد جابر وهو الذي يشكل قرار الرئيس.
3
هنالك شخصية لمع نجمها أيام الثورة الأولى وكانت هدفاً للتيارات اليسارية عموماً ولكنه آثر الصمت مؤخراً والعمل في إدارة الدولة دون ضجيج إعلامي. الفريق شمس الدين الكباشى ، هو الذي يباشر العمل التنفيذي الآن مع الوزراء ووكلاء الوزارات ويتخذ القرارات الروتينية المتعلقة بإدارة دولاب الدولة (ربنا ينعم عليه بالصحة والعافية)، بل هو الرئيس التنفيذي للدولة في غياب رئيس الوزراء. السيد كباشي يتمتع بكاريزما خاصة وعسكرية صارمة نال بها الإحترام بين رفقائه بالجيش والدفعة وهو أميرهم أكاديمياً وسياسياً، ولذا يجد دعماً متصلاً من الرئيس البرهان في كل القرارات التي يتخذها والتوصيات التي يرفعها.
4
الشخصية الثالثة هي الفريق ميرغني إدريس الذي يتمتع بعلاقة مميزة مع الرئيس برهان وهو من ذات الدفعة 31، حول ميرغني قصص كثيرة من أديس أبابا في التسعينات حين كان يعمل فى جهاز الأمن إلى قصة الحاويات الغامضة التي ذاعت قصتها ما بعد الثورة. هو الشخص الذي انتدبه البرهان فى 8 أكتوبر 2021 لزيارة لإسرائيل برفقة عبد الرحيم دقلو . يمسك الآن الفريق ميرغني الذي عمل سابقاً في التصنيع الحربى بمنظومة الصناعات الدفاعية وهي أهم مؤسسات الجيش على الإطلاق من حيث الموارد والتأثير. يتمتع ميرغني بعلاقات جيدة مع اليسار واليمين وخاصة بعد أن فارق القوم.!!. ميرغني الآن هو أقرب شخصية لعقل الرئيس وأذنه وقلبه ،أمامه أبواب الرئيس مفتوحة دائماً وهو يلعب أدواراً في تجسير الصلات مع المجتمع المدني وبعض السياسيين والرياضيين.
5
الشخصية الأخيرة هي السيد ياسر العطا، تكاثرت الملاحظات حول أداء السيد العطا وتعرضت شخصيته كمسئول قيادى لاختبارات كثيرة لم يوفق فيها بحيث لم يعد كثيرون ينظرون اليه كرجل دولة لم يعد له تأثير على الرئيس اة فى قرارات الدولة….!!.
6
المشكلة التي تواجه فريق الرجال حول الرئيس أنهم يعملون فرادى، إذ لا مؤسسة واحدة تجمعهم تنهض بالحساب السياسي الكلي للقرارات والسياسات التي تنوي الدولة اتخاذها، فأصبح هم كل واحد منهم هو إقناع الرئيس فقط بأهمية وجدوى قراره بغض النظر عن الآخرين أو تأثير ذلك القرار في مجمل الأوضاع في البلاد. هذا يفسر سر تردد الرئيس البرهان و تأخر قراراته، و تراجعه عن بعضها بعد اتخاذها( سفراء الخارجية مثلا)، ليس هناك عقل جمعي مركزي يحسب الجدوى الاقتصادية والسياسية للقرارات وتأثيرها وماهو متوقع أن ينتج عنها، وإذا غاب العقل المركزي لدولة ستصاب باضطراب عقلي و ارتعاش في الجسد، وقد تجن وتزيد في الجن … ويتعذر علاجها من بعد فلا تنفع فيها وصفة ثورية أو صوفية.!!.
7
لنأتي الآن للرجل الذي هو على صلة مباشرة بالرئيس البرهان أو يفترض كذلك، وهو النائب الفريق حميدتي. معلوم أن الرئيس ونائبه جمعتهما علاقات قديمة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، والصدفة وحدها جمعت بينهما في رئاسة الدولة. هناك إحساس عام بأن الرجلين ليسا منسجمين في إدارة الدولة، وأغلب التصريحات التي تصدر من السيد النائب توحي بتباعد التقديرات في كثير من القضايا، فتصريحات النائب دائماً تشي بأن الدولة فاشلة وأن القيادة (ما كاربة قاشه)، وتكررت كلمة فشلنا هذه قبل الانقلاب وبعده وإلى الأمس القريب في لقاء البي بي سي. يبدو أن غضب النائب ناتج من الطريقة التي يتخذ بها الرئيس البرهان قراراته ولا أحد يعلم بأي قدر يساهم حميدتي في القرار السياسي وكيف.. ما هي الآليات؟.
القرار الاقتصادي من ناحية رسمية (شكلية) لحميدتي فهو رئيس اللجنة الاقتصادية ولكن من ناحية عملية القرار يتخذ من جهات أخرى، خاصة بعد صعود جبريل إلى وزارة المالية إضافة إلى جابر بالقصر.
عدم وجود آلية واضحة ومحددة مؤسسياً لاتخاذ القرار السياسي قبل وبعد اتفاق جوبا هو ما سبب كثيراً من الزعازع والإشاعات، والصورة التي رسمتها الميديا لعلاقات الدعم السريع مع الخارج تشي بأن هنالك دولة داخل دولة أو أن الدولة تدار من مركزين متباينين وبسياسات متضاربة او متباعدة. وهناك ما يشير لصحة هذا الهمس العلني الذي يدور في أروقة المدينة. أنظر لتقديراتهما في السياسة الخارجية.. في معارك الفشقة ابتعد الدعم السريع ولم ير الناس له دعماً للجيش حتى على سبيل التصريحات.. بدا للناس أن للنائب رأي آخر وخاصة بعد أن زار الرئيس البرهان منطقة العمليات في الفشقة أكثر من مرة بينما امتنع النائب عن مثل ذلك الدعم المعنوي. كذلك في موضوع العلاقة مع روسيا، يظهر هنا ان للدعم السريع سياسة تجارية وعسكرية متطورة و متنامية ومنفردة تجاه روسيا لدرجة ان الوفود الروسية تذهب من مطار الخرطوم مباشرة لغرب السودان لمقابلة السيد النائب ، بينما سياسة الرئيس البرهان مترددة تنظر لمصالحها وتخشى للضغوط الدولية والإقليمية. باختصار بدا أن هنالك دولتان داخل دولة البرهان، لكل منهما سياساتها وتحالفاتها الاقتصادية وعلاقاتها الدولية، وفي ظل وجود دولة برأسين لا يمكن السؤال عن مركز قرار موحد أو مؤسسات متناغمة تتخذ القرارات.؟.ويل لدولة هشة برأسين في أزمنة الانتقال المتداعي!.!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.