nasdahab@gmail.com

صياغة الوجدان من أشهر ما تزهو به صنوف الإبداع الأدبي والفني من تأثيراتها المفترَضة، وإذا كنـــّــا قد عرضنا من قبلُ لصياغة وجود المبدع (التي يتفضــَّـل بها المتلقــِّـي) على اعتبارها أهم من صياغة وجدان الناس (التي يزعمها المبدع)، فإن الأهم من الصياغتين السابقتين هو صياغةُ وجود الناس مطلقاً. والبرهنة على ذلك ليست بالمهمة العسيرة، فمن غير وجود الناس لا يتسنــّــى صياغة وجود بعضهم (استناداً إلى صنعته) ولا صياغة وجدانهم وهم لم يعرفوا بعدُ أرضاً تقلُّهم ولا سماء تظلُّـهم.

وإذا كان معلوماً أن من يصوغ وجود الناس – بالمدلول المباشر للصياغة – هم القادّة صُنــّــاع التاريخ، أو مُسيِّروه على أدنى الفروض، فإن المبدعين لا يُـنتظــَـر منهم أن يستسلموا بسهولة أمام هذا المنطق الذي يفترض أن يكون بسيطاً وواضحاً، وأدنى مراجعاتهم لذلك المنطق أن من يصنع التاريخ لا يسعى إلى مبتغاه مجرّداً بل انطلاقاً من مؤثرات فكرية اختمرت في عقله ووجدانه هي لا ريب من صياغة المبدعين على اختلاف ضروب إبداعهم، وهكذا فإن للمبدعين – تأسيساً على ذلك المنطق – نصيباً في تشكيل الوجود نفسه وليس صياغة الوجدان فحسب.

غير أن النتيجة السابقة تفتقر إلى المقدّمة المُحْكــَـمة، فالقادة ينتقون من الأفكار المؤثرة ما يروقهم ولا يـُـقـبـِـلون عليها اعتباطاً إقبالَ المسلّمات، وعلى هذا فالأرجح أن للقائد – مهما بدا متأثراً بهذه الفكرة أو تلك – اليدَ العليا في صياغة الوجود كونه يملك إرادة الانتقاء من فيض من الأفكار المتاحة، ويملك قوة تجسيد الأفكار بحيث يعيشها الناس حقائق لا خيالات تحتمل إمكانية التطبيق أوْ لا تحتمل.

وحيث أن إمكانية التطبيق ليست هي المشكلة الأخيرة، على اعتبار أن الأهم هو ثبوت صحة الفكرة بثبوت جدواها على أرض الواقع، فإن النقد الموجّه إلى فكرة مجرّدة فاسدة يمكن أن يطال تطبيق فكرة مجردة صالحة إذا كان تطبيقها فاسداً، وعليه فإن المقارنة بين الأفكار وتطبيقها من حيث الصلاح والفساد لن تكون عاملاً فارقاً في الحكم على أفضلية التأثير لأيٍّ من الاثنين: الفكرة والتطبيق، وبالتالي المبدعين والقادة.

ولكن إذا كان مثار الخلاف هو التأثير مجرّداً فإن تطبيقاً لفكرة ما أيّاً كانت كثيراً ما يتفوّق على ألف فكرة تحلّق فوق ذلك التطبيق بالرفض والمقاومة، فإذا ألهمت الفكرة الرافضة بعض قادة المستقبل الواعدين فإن أولئك المُلهــَــمين يمشون على هدى الفكرة حتى تفضي بهم إلى أبواب السلطة ثم يشرعون في كتابة واقع جديد ليس على أنقاض الواقع القديم فحسب وإنما على أنقاض الفكرة التي ألهمتهم بدرجة أو أخرى، ثم تبزغ معارضة جديدة تسير على هدى بعض الأفكار وتتوكّأ عليها ريثما تصل إلى السلطة فتقذف بالأفكار “ذات السيقان” لتستعين (تلك المعارضةُ) بسيقانها العضوية (وأذرعها) تتوكأ عليها أفكارُ المتطوعين من طائفة خاصة من المبدعين المتملقين تجيد تفصيل الأفكار على مقاس أحلام القادة وإنجازاتهم المتحققة مهما تكن واهية، وهكذا، حتى إن أقصى حدود الفكرة في التأثير يبدو في الأمل استشرافاً لمستقبل بعيد أو استسلاماً لواقع ماثل يعبث بها ويعيد صياغتها على نحو ذرائعي لا محالة، وهي مستسلمة راضية.

بعيداً عن أية محاكمات أخلاقية، فإن خلاصة القول تتجلّى في الحكم بأفضلية التأثير لصالح التطبيق على حساب الفكرة في أية مقابلة بين الاثنين، فالتاريخ عند صياغته لا يستوعب سوى مداد القادة، وإذا تكالب عليه المفكرون من بعدُ فإن أيّاً منهم يقرؤه كيف يشاء ولا يزيد على القراءة بشيء على صعيد التأثير إلا مستعيناً بصديق (أو عدوّ) من القادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.