nasdahab@gmail.com

أهمية أن يتناول الكاتب فكرة بالبحث فيقلّبها على كل وجه ممكن كبيرةٌ، لكن إمكانية تحقيق ذلك التقليب هي موضع شك لا ريب. وقد نذهب في ثقافة مولعة بالمبالغة إلى أن كاتباً قد قتل الفكرة بحثاً، ما يعني أن كاتباً آخر ينوي أن يعرض للفكرة ذاتها لاحقاً لن يكون بوسعه سوى الوقوف على أنقاضها وقد تم قتلها بقلم سلفه المجيد. غير أن الواقع يشهد أن فكرة لم تمت لأن كاتباً ضليعاً قد تناولها من قبل فأحسن التناول حتى أجهز عليها، ومع ذلك لا نزال نصرّ على نعوت من قبيل “قلّب الفكرة على كل وجه ممكن” و”قتلها بحثاً”.

وإذ لا غضاضة في أن يسعى كاتب إلى تناول موضوع مستقصياً جوانبه ما وسعه الاستقصاء وهو يتمثــَّـل أدبيّات تقليب الفكرة على كل الوجوه الممكنة وقتلها بحثاً على سبيل المبالغة، وإذ لا جدال في أن لذة من نوع خاص تترصّد الكاتب والقارئ على السواء في هذا الأسلوب من الكتابة، فإن لذة أخرى من نوع أشدّ خصوصية تتربّص بكاتب يجرؤ على الاكتفاء باستفزاز الأفكار من مراقدها وبعثها من حيث يخاله الناس عدماً ويُشرك معه قارئاً لا يقلّ جرأة في التجربة الفريدة.

أن لا يقتل الكاتب الفكرة ليس فقط عملاً إنسانياً رحيماً بل صنيعاً إبداعياً خلّاقاً. وإذا بدت مهمة الكاتب الذي يحترف قتل الأفكار – بالمعنى المشار إليه – مستحيلة كون ذلك يستدعي تعقــُّـب الفكرة من كل الأوجه المعروفة والإجابة على كل تساؤلاتها المطروحة، فإن المهمة الجليلة هي تلك المنوطة بكاتب يتعقــّـب ما خفي من الأفكار ليغمزها فتنبعث ثم يثير من حولها المعاني فتتكاثر بلا حساب.

القتل عموماً أيسر من الإحياء، بل إن ترك الأشياء تموت من تلقاء نفسها أسهل من البحث لها عن أسباب الحياة، وهكذا فإن ظنــّـنا أننا أتينا على الفكرة من كل جانب ممكن هو لا ريب أدنى إلى الخاطر كونه عـمـلــيـّاً أيسر من ولوجنا إلى الجانب المنسي للأفكار لإيقاظ واحدة من سُبات عميق هو في الواقع سبات الناس عن استنباطها، ليس إلّا.

التحيُّز لموضوع طويل يلتمس أسباب بقائه في بضع أفكار مطروحة يتناولها من كل الجوانب المتاحة ليس سوى علامة على فكر مجدِب إذا كان ذلك التحيُّز – بالضرورة – على حساب موضوع قصير يراوغ من أجل بزوغ فكرة مبتدعة، فالأَوْلى أن يكون نــَهـمُـنـا تجاه الأفكار المتواثبة لا السطور المتراصّة، فتحثــّـنـا على الزهو في الموضوع نقرأه أفكارُه الجديدة ولو تضمّنتها بضعة أسطر لا صفحاتــُـه الوافرة تجترّ فكرة مطروقة من مداخل لا يكاد القارئ يقع على جديد في شعابها.

غير أن حساب الأوراق لا سبيل إلى تلافيه عندما يتعلّق الأمر بالنشر، الذي هو لا ريب نهاية مطاف الأفكار، فالناشر مهما ادّعى انحيازه إلى الثقافة على حساب التجارة – وهو أمر يصعب تصديقه – لن يكون بوسعه التغاضي عن حساب عدد الكلمات و الصفحات التي يجود بها الكاتب، فالورق والحبر المسكوب عليه سِلَعٌ مادية بحتة حتى إذا كان ما تروّج له في النهاية منتجاً فكرياً محضاً، والقارئ – حتى المتمرّس – لا يسلم من إغواء حساب ما يدفعه لقاء كتاب يشتريه بحجم ذلك الكتاب من حيث عدد الصفحات ابتداءً وليس عدد الأفكار الجديدة التي يبشر بها الكاتب. بيد أن ناشراً محترفاً لن يعدم حيلة في تبرير ارتفاع ثمن الكتاب بارتفاع عدد صفحاته إذا شاء أن يدافع عن المسألة من أجل عيون الثقافة، إذ سيراهن آخر الأمر على عدد النسخ المبيعة من الكتاب وليس على سعر الكتاب منفرداً، وعليه فإن الكاتب الذي يدّعي إنتاجـَه أفكاراً بديعة سيحصل على حقه (إن كان ذلك يحدث على أية حال) في النهاية من عائد النسخ المبيعة إجمالاً لا من سعر النسخة الواحدة الذي قد يفوقه فيه كاتبٌ أغزر كلماتٍ وأقلّ أفكاراً.

ما الذي يغريني بقتل فكرة ما بحثاً والأفكارُ التي تنشد الحياة تناديني من حولــها: “هيت لك”؟

إذا لم يكن ممكناً في الحياة برمّتها البحث عن النهاية التي تجيب على كل الأسئلة، ألا يغدو من الحكمة في الكتابة تجنــُّـب الفعل ذاته بتجنّب ادّعاء قتل الأفكار بحثاً بغية الوصول عبثاً إلى الغاية المتعذِّرة في الحياة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.