في ما أرى

1
أما الهراء بحسب تعريف قاموس المعاني فهو هَذَيان أو كلام كثير فاسد لا نظام له ولا رابط بين جُمله وفِقَره، كلمات أو عبارات دون معنى لها. وهذا هو بالضبط مضمون ما سُمي بالدستور الانتقالي الذي تقدمت به نقابة تسيير لمحامين غير شرعية ليكون دستوراً للسودان فى الفترة الانتقالية.
2
حين فرغت من قراءة الهراء أصابتني حالة غثيان وإحباط، أما الغثيان فبسبب القيم المهدرة بالدستور، قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان التي ذبحتها وصلبتها تلك الوثيقة ونثرتها في مواده كما سأوضح لاحقاً. أما حالة الإحباط فمنشؤها هو أن آمالي نُحرت إذ ظننتُ أن الذين تسنموا قيادة الدولة من بعد الثورة قد تعلموا شيئاً من تجربتهم القصيرة الفاشلة وأنهم أدركوا أن الإقصاء وعدم العدالة ومحاولة احتكار السلطة وخيانة قيم الثورة ستقودهم إلى سقر وما أدراك ما سقر.!!. ولكن للأسف بعد كل ماحدث لهم لم يتعلموا شيئاً، ونسوا كل شيء. بدأوا حياتهم السياسية بادعاءات كثيرة وكبيرة وشعارات لم تلبث إلا قليلاً حتى اتضح أنها زبد موشى وسراب حسبه الظامئون ماءً وهيهات.
3
أول الهراء أنهم طلعوا دين الدولة ولغتها برة الدستور.. دولة بلا دين ولا لغة رسمية.. إقرأ يا هداك الله الفقرة 3 من المادة 3 في الباب الأول (الدولة السودانية دولة مدنية تقف على مسافة واحدة من كل الأديان.). من قال لهؤلاء العابثين أن الدولة المدنية يجب ان تقف على مسافة واحدة من كل الأديان؟. الذين صاغوا هذا الهراء أشك أن يكون لهم علاقة بالقانون الدستورى أو اطلعوا على دساتير العالم. بل أشك أنهم نظروا أو إطلعوا في الدساتير السودانية. دعك من دساتير الكيزان انظر لدستور 1973. ذلك الدستور الذي صاغة سدنة العلمانية في الاتحاد الاشتراكي نص فى المادة (16) (أ) في جمهورية السودان الديمقراطية….
الدين الإسلام ويهتدي المجتمع بهدي الإسلام دين الغالبية وتسعى الدولة للتعبير عن قيمه.
(ب) في جمهورية السودان الديمقراطية.
وفي المادة العاشرة ينص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية لجمهورية السودان الديمقراطية.
هذا ما جاء في دستور علماني سوداني فماذا بشأن بقية الدول الديمقراطية و العلمانية في العالم؟.
4
بالأمس القريب أدى ملك بريطانيا القسم الآتي (أنا تشارلز الثالث بفضل الله من المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية وملك عوالمي وأقاليمي الأخرى، والمدافع عن الإيمان، أتعهد وأقسم بأمانة أنني سأحافظ على المستوطنة وأن أحافظ عليها للدين البروتستانتي الحقيقي على النحو المنصوص عليه في القوانين الصادرة في اسكتلندا في الملاحقة القضائية للمطالبة بالحق وخاصة بموجب قانون يقصد به “قانون تأمين الدين ) .ده في بريطانيا العلمانية الديمقراطية المدنية.. وين هنا الوقوف على مسافة واحدة من كل الأديان.. في الدين المسيحي يقسم الملك على المحافظة على الدين البروستانتي وحكومة الكنيسة المشيخية.).بالله شوف. رغم ذلك البغباوات تردد لا دولة في الدين ولا دين في البتاع.
5
في دراسة قيمة قدمها الباحث محمد مختار الشنقيطي، واستعرض فيها شواهد في دساتير مختلفة، قال إنه “في دساتير 193 دولة في العالم هناك تنصيص على الديانة، ومن بين الأمثلة، المادة 62 من دستور آيسلندا، والتي تحدثت عن الكنيسة اللوثرية (فرع من المسيحية)، وهذا البلد من أعرق الدول الديمقراطية، وكذلك الأمر في الدنمارك والنرويج”. ولفت الشنقيطي إلى وجود دول تنص في دساتيرها على الكاثوليكية ديانة رسمية. وأشار الشنقيطي إلى أن مؤشر الديمقراطية السنوي تنشره الإيكونومست البريطانية (Economist) وهو من أكثر المؤشرات مصداقية – أكد على الانفكاك التام بين الديمقراطية والعلمانية، وهي لا تجعل حياد الدولة في شأن الدين شرطاً من شروط الديمقراطية، ووضع المؤشر النرويج وآيسلندا والسويد على رأس أكثر الدول ديمقراطية في العالم عام 2020، علماً أن اثنتين من الدول الثلاث تنصان على المسيحية اللوثرية ديانة رسمية في دستورهما، والثالثة تمنح الكنيسة اللوثرية وضعاً دستورياً خاصاً. وفي المقابل وضَع المؤشر السنوي للديمقراطية كوريا الشمالية وجمهورية الكونغو وجمهورية وسط أفريقيا في أدنى السلَّم الديمقراطي في العالم، والدول الثلاث تنص دساتيرها على أنها دول علمانية. إذا كان هذا هو وضع الدين فى دساتير العالم العلماني الديمقراطي فما بال هؤلاء المتنطعين المتعلمنين عندنا ينكرون على الناس دينهم الذي هو أهم مرتكزات هويتهم الثقافية وهو الذي يعطي لحياتهم معنى وقيمة.
هب أن مؤلفي الهراء الدستوري قد كتبوا أنه مدني أو علماني أو شيطاني أو أي شيء، هل يغير ذلك من طبيعة المجتمع وقيمه ومعتقداته وهل يحول السودانيين إلى علمانيين أو مدنيين ؟ إن الدساتير تعبر عن قيم المجتمع بكلياته لا عن أشواق نخب متغربنة تستورد دساتيرها من الخارج تماماً كما تستورد الويسكي والجن ومعلبات لوزن الرؤوس الفارغة من أي فكرة مبدعة أو انتماء لقيم أصيلة.
6
تدثروا بالمدنية، رياءً وتقية فبدلاً من النص على علمانية الدولة صراحة في فقرة الدستور أعلاه ألبسوها ثوب المدنية يخادعون بها الناس، وذلك لأن العلمانية كمفهوم تعهرت في خطابهم السياسي. وقد نبهنا عبد الوهاب المسيري في دراساته حول العلمانية التي قسّمها إلى علمانية جزئية يقصد بها فصل الدين عن الدولة وأخرى شاملة (يقصد بها فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، لا عن الدولة فحسب، إنما عن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص، بحيث تنتزع القداسة عن العالم، ويتحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى.). نعم هذا هو هدف هذا الدستور (الهراء) فصل القيم الإنسانية عن الدولة وحتى قيم الديمقراطية نزعت من دستورهم كما سنرى. وأخيراً لو سألت أساطين الهراء عن الفرق بين الدولة المدنية والعلمانية للاذوا بالصمت وتحولوا إلى خُشب مسندة. أنظر د. التجاني عبد القادر (أصول الفكر السياسي، ص242).

وهاجي نَفْسِهِ مَنْ لم يُمَيّزْ
كَلامي مِنْ كَلامِهِمِ الهُراءِ
المتنبي
نواصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.