nasdahab@gmail.com

مع شيوع مصطلح “الزهايمر” بتداعياته الطبية صار الناس أكثر اتزاناً في التعامل مع المسنين وهم يصابون بأعراض لا ذنب لهم فيها سوى التقدّم في العمر، وما كان متداولاً قبلها على أية حال من العبث بحالة عجوز مخرِّف لم يكن بداعي أن العجوز يتحمّل وزر خرفه وحده بقدر ما كانت أسبابه متعلّقة بتدنِّي تأثير العلم في حياة الناس بصفة عامة ومعتقداتهم المسبّقة على مختلف الأصعدة بصفة خاصة.

ولكن الخرف لا يزال في يوميّاتنا منطوياً على كثير من الإشارات الساخرة، وهو أمر من الصعب تجاوزه تماماً، وليس من الحكمة التفكير في ذلك التجاوز “المثالي” إلّا إذا كنّا نصرّ على أن تبدو حياتنا مثالية على كل صعيد ونحن في الواقع على غير ذلك، وأحياناً (كثيراً؟) على نقيض ذلك.

بعد أن يُفرغ المرء شحنته من ازدراء الشيخوخة والخرف وهو يافع ثم شاب، يشرع في استشعار كلا المعنيين وهو على أعتاب الكهولة، أي في أواخر سنوات شبابه، ولا حاجة إلى تحديد بدايات الكهولة وأواخر الشباب، ليس فقط لأنها تتباين من واحد إلى آخر وإنما – إضافة إلى ذلك – لأن كل إنسان لديه أداة استشعار (Sensor) دقيقة يقف من خلالها على تلك المرحلة بوضوح كما هو الحال مع سائر مراحل وشؤون حياته النفسية: “بل الإنسان على نفسه بصيرة”.

يبدأ المرء – استباقاً – بنعي شبابه وهو يضمر أكثر مما يظهر من الحسرة على المنقضي من القوة والاستعداد الفطري للاستمتاع ببهجة الحياة، والواقع أنه يحاول أن يظهر وكأنه يدلف إلى الشيخوخة بمحض إرادته وقد زهد في الشباب وما يكتنفه من دلالات الحياة في أبهى صورها، أو على الأقل يحاول أن يُظهر أنه لا يكترث للقادم من الشيخوخة وتداعياتها حتى إذا كان مكرهاً في ولوجها لا بطلاً.

تدهمنا الشيخوخة في العادة بإنذار مبكِّر (ليس إنذاراً كاذباً) مع تباشير الكهولة، وسواءٌ أكان ذلك الإنذار مما يحملنا على أن نفيق من غفلة الشباب المنقضي أو يدفعنا إلى المزيد من التصابي فإن المحصِّلة واحدة عندما ندخل إلى قفص الشيخوخة بالفعل، فلن يختلف عندها سوى سلوك كل شيخ رجوعاً إلى طبيعته النفسية وليس بفضل الإنذار المبكِّر الذي تلقّاه في بدايات كهولته. الأدق أن استجابات الكهول في تلك المرحلة الحرجة من العمر تتباين بدورها رجوعاً إلى الطبيعة النفسية لكل كهل، وطبيعة المرء النفسية – في إطارها العام – مما يصاحب الواحد عادةً على اختلاف المراحل العمرية ولا يتغيّر أو ينقلب (ظاهرياً؟) إلّا بتأثير حدث استثنائي في حياة الإنسان.

نستبق اتهامات الآخرين (الأنداد خصوصاً) فننسب نسيان معلومة طفيفة إلى الخرَف، وعندما يوشك أن يكون الخرف حقيقة لا يتغير شيء من فعل الاستباق سوى أننا نشعر حينها بمرارة ما كنا نتواضع في الإقرار به قبل وقوعه، فيغدو حالنا كصاحب شأن عظيم يصطنع التواضع حتى يدهمه من تقلّبات الزمان ما يجعل قدره بالفعل متواضعاً.

عندما يطبق علينا الخرف يستوي كل شيء، فلا يصبح ثَمّ مجال للتباهي بالتواضع أو الإقرار بالحال المتواضع أصلاً، فقط حالنا مع الخرف هو أبلغ ما يتحدّث عنّا، لا لشيء سوى أننا لن نطيق فعلاً أبعد من ذلك، أبعد من أن نتفرّج على الخرَف وهو ينطق بألسنتنا ونحن عاجزون تماماً عن التبرير.

الخرف أشهر علامات الكبر وأظهرها، بل هو علامة الكبر القاضية التي نتمنّى أن لا تدركنا، ليس بانتهاء حياتنا قبل أن نبلغ من الكبر المبلغ الذي أدرك معه غيرُنا الخرف، وإنما ببلوغ تلك المنزلة من العمر ونحن في كامل قوانا العقلية والجسدية، أو على الأقل بما لا يمنع الإحساس بالزهو في حضرة الذين استسلموا لضربة الخرف القاضية حتى إذا كان نصيبنا من الصحة حينها منقوصاً بشكل واضح، ولا ريب أنه سيكون كذلك في أفضل حظوظ المعمّرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.