في ما أرى

1

في المقالة الأولى نظرنا في آراء التيارات المتبانية داخل الحركة الإسلامية حول استراتيجية التعامل مع الفترة الإنتقالية والرئيس البرهان خاصة. وقلنا إن ما يتمخض عن جدل تلك التيارات سيحدد ملامح وخطة المستقبل للحركة الإسلامية. انتابتني حالة من الحيرة وأنا أستمع لكلمة الرئيس البرهان في حطاب، وأود أن أشرك القراء معي فى هذه الحيرة. ومصدر حيرتي أن الرئيس البرهان الذي يسبح فى بحر من العداوات والتهديدات ويحيط به المتربصون من كافة الجهات داخلياً وخارجياً يسارع بتصنيع عدو جديد، بتصريحاته ومواقفه، ولا أعرف ما حاجته لصنع خصوم جدد…. هو ناقص .؟.
2
لنبدأ بالحاضنة الرسمية للرئيس البرهان، المؤسسة العسكرية، وهى مؤسسة شديدة الحساسية تجاه صورتها بالخارج وقيمها وتماسكها الداخليين، هذه المؤسسة تشعر لأول مرة فى تاريخها أنها مهددة فى وجودها بالتفكيك ومؤسساتها الإقتصادية بالمصادرة أو بالموافقة بتسليمها للمجهول (للغول) وكل شيء يحيط بها أصبح موضع شك.
الرأي العام داخل هذه المؤسسة والذي تظهره استطلاعات الاستخبارات العسكرية يعكس هذه المخاوف للقيادة، ولذا تتكاثر لقاءات البرهان مع قادة وأفراد الجيش فى ثكناتهم المختلفة وآخرها قاعدة حطاب. وهذه المؤسسة التي تعصف بها المخاوف تهيئ بيئة مثلى لنمو الإنقلابات. منذ نجاح التغيير فى أبريل 2019 يُقال إن اكثر من عشر محاولات إنقلابية قد جرت آخرها انقلاب بكرواي، وهذا وحده يبين حجم القلق والهواجس التى تحاصرها وتدفعها فى كل مره لاتخاذ إجراء ما، حتى جاءت اللحظة الحاسمة فى 25 أكتوبر والتي تقدمت فيها قيادة الجيش لاتخاذ إجراء أسمته تصحيح المسار وفضت شراكتها مع المدنيين (قحت). هذه البيئة التي تنتابها المخاوف والشكوك مصدر تهديد مستمر للرئيس البرهان وإذا كانت هي ليست عدوة له الآن إلا أنها لا تخلو من متربصين بقيادته ولذا فإن خطواته لابد أن تكون محسوبة بدقة فى واقع سياسي شديد التعقيد.
3
من ضمن تلك الجهات التي تشكل تهديداً وصداعاً للرئيس، تيارات اليسار السفاراتي والجذري سواء تلك التي ترتدي التي شيرت، أم القفطان، أو جناح أم جكو كلهم على نفس الموجة، ففي تصنيفهم وشعاراتهم أن هذا الجيش جيش البرهان وجيش الكيزان وهو جيش قاتل وبناء عليه فاض الجو هتافاً في باشدار (معليش معليش ماعندنا جيش). وبذا يستحق التفكيك (الهيكلة). ما حيرني أن أصحاب هذه الهتافات تحولوا فى خطاب حطاب “لشباب وطنيين تهمهم مصلحة البلد” وفى وقت قريب كان النائب يتساءل.. كيف زول يأخذ مرتباتو من السفارات أن يكون وطنياً.؟.بالله شوف.
هذا التيار اليساري السفاراتي والتيار الطائفي يعدان الآن قضية مكتملة الأركان خاصة بفض الاعتصام وسيقدمونها بداية العام القادم للمحكمة الجنائية الدولية بلاهاي، وحشدوا كل الوثائق الممكنة والتي كانت بحوزة لجنة داخلية !!. يا ترى السيد الرئيس برهان عندو خبر؟. يتوهم الرئيس ونائبه أنه متى ما وقعا على دستور حشد فيه كل الهراء سيضمنون عدم الملاحقة، وهيهات.. فالذين وقعوا وثيقة الثورة كانوا أول من خانوها، والذين مهروا اتفاق جوبا غدروا به وبأصحابه الآن. خيانة العهود والمواثيق طبع سودانى أصيل وقديم للأسف!
3
جهات خارجية جاءت بتفويض دولي في شكل بعثة كاملة فرضت على السودان بقرار من عرفان صديق سفير بريطانيا السابق بالسودان وصديقه المؤسس حمدوك (هو بالمناسبة أسس شنو؟)، تلك البعثة التي يقودها السيد فولكر الآن هدفها الأساسي تفكيك الجيش تحت شعار “الإصلاح والهيكلة”.
فولكر القحتي يحرض فى تقاريره الدورية مجلس الأمن على الجيش مما حدا بالرئيس برهان لانتقاد عمل البعثة علناً في خطابه بالجمعية العامة الذى قال فيه إنها لم تفعل أي شيء خلال عامين من تأسيسها بل وهدد في 1 أبريل 2022، رئيس البعثة الأممية “يونيتامس”، فولكر بيرتس، بالطرد خارج البلاد؛ لتدخله السافر بالشأن السوداني. الحقيقة أن البعثة فعلت كل شيء ضد البرهان وضد الجيش وكل الأجهزة الأمنية بل أصبحت عنصر توتر واستقطاب فى الساحة السياسية بتحيزاتها المفضوحة لقحت مما عقد التسوية السياسية وافقدها الثقة والنزاهة اللازمين الواجب توفرهما في أي وسيط بل اضحت هي أكبر المتربصين بالرئيس البرهان مهما بذلت من وعود ووقعت من عقود.
4
تضج المدنية بحكايات الصراع الصامت والمعلن بين قيادة الدعم السريع وقيادة الجيش ورغم الإنكار المتكرر من الطرفين إلا أن الأفعال تشير لحالة التوتر المستمر بينهما. وقد أشرنا فى مقال (تحالف الخائفين) للعناصر المغذية لذلك الصراع.
الدعم السريع بعد أن أسس لنفسه جيشاً مدججاً بأحدث الأسلحة تطور الآن ليصبح لاعباً سياسياً يجري الآن تعميده كجناح مسلح لقحت!! وهذا الاستقواء بأحزاب سياسية متربصة بالجيش وهو نفسه مستهدف منها يزيد من المخاطر والتهديدات التي تحيط بالرئيس البرهان.
5

الآن عقب إعلان الحركات المسلحة ، أطراف إتفاق جوبا موقفها الرافض لأي تسوية ثنائية يكاد الرئيس البرهان أن يخسر أهم حلفائه ويدفع بهم للتطرف، بل ربما العودة للحرب. لم تقف هذه القوى المسلحة ضد الرئيس البرهان بل وقفت معه فى انقلابه على قحت ولذا ساءها أن يعود إلى أحضان قحت باتفاق ثنائي تفرض مفرداته تحت ضغوط أجنبية يسعى للإطاحة بها وباتفاق جوبا نفسه. الآن أسست الحركات المسلحة كتلة لايستهان بها ولا يمكن تجازوها في أي اتفاق، هي (كتلة التغيير الديمقراطي)، ولكن الرئيس البرهان يصر على تجاهل الكل ومساندة معسكر أعدائه.
6
الشرق يجأر بالشكوى من الظلم التاريخي الممتد، فإذا بالرئيس البرهان يوقع على اتفاقية مع (قحت) بحسب كمال عمر تسفه أحلامه، ولا تأبه بظلاماته. يوقع مع الذين اشعلوا أزمته وبذات المواقف المعادية لمطالب الشرق المشروعة مما يرجح تجدد الأزمة سريعاً. نفس هذه الهواجس تنتاب الشمال المتظلم دائماً من هضم حقوقه. هكذا يضيف الرئيس لقائمه أعدائه أعداءً جدداً بتمكينه لأربعة طويلة من مقاليد السلطة مجدداً.
7
نظراً لهذا البحر الهائج من الأعداء القائمين والمتربصين بالرئيس البرهان والجيش، لم يكن الرئيس بحاجة لإضافة أي أعداء جدد مهما كان وزنهم وحجمهم وقدراتهم ولكنه فعل، فما بالك بالحركة الإسلامية، ثلاثون عاماً في سدة الحكم، الآلاف من الكوادر المدنية والعسكرية المؤهلة والمدربة، جماهير قادرة على إرباك أي حكومة، يملكون أجهزة معلومات بعلاقات متشابكة داخل الدولة وخارجها ولا تنقصهم العلاقات الخارجية، أكثر شخص يعرفهم ويدرك خطر وعواقب معاداتهم الرئيس البرهان يعرف ان.!!.
التيار الإسلامي وفي مقدمته الحركة الاسلامية ظل داعماً له سواء بالصمت والصبر على كثير مما حاق بها من خلال السماح للجنة حزبية بالتنكيل بها وبكوادرها تحت بصره وبموافقته وكل هذا لم يدفعها للتحرك ضده لا في الشارع ولا في أجهزة الحكومة المختلفة، فالحركة الاسلامية انسحبت من الساحة السياسية وتعيد الان فى بناء نفسها استعداداً للانتخابات واعلنت ذلك مرارا أي أنها لا تتربص به ولا تمثل تهديداً لسلطته بل داعمة له… فإذا كان البرهان يتلقى هذا الدعم المجاني، لماذا يسارع في إضافتها لقائمة أعدائه والمتربصين به.؟…البرهان يفعل هذا أتعرفون لماذا؟.. نواصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *