nasdahab@gmail.com

هوس الكُتــــّــاب باستعراض مهاراتهم الفنية تجوُّلاً بين سائر فنون الكتابة معروف، ومعروف قبله هَوَسُهم بالتجوُّل بين المدارس المختلفة للتناول الفني داخل الشكل الأدبي الواحد.

في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية في المشرق العربي وفي الأندلس كان نموذج “الفيزيائي الطبيب الفلكي اللغوي الفقيه الشاعر…” ذائع وموضع حفاوة وانجذاب، وليس في ذلك غرابة، فالجمع بين تلك الألقاب يدعو إلى الانبهار لا الإعجاب فحسب، خصوصاً عندما يكون عن جدارة، وعلماء المسلمين الأقدمون لم يكونوا جديرين بذلك الجمع وكفى وإنما كانوا إلى ذلك أصلاء، فهم لم يستوعبوا المعارف التي تندرج تحت تلك الألقاب فقط وإنما علّقوا عليها وأضافوا إليها فكانوا علماء بالمعنى الأصيل للكلمة.

ولكن يجب ألّا نغفل حقيقة أن تلك العلوم كانت حينئذ في أطوار متواضعة من العمق والتعقيد، ولذلك الوضع وجهان فيما يخص تقييم إنجاز علماء الأمس، فمن جهة إنجازُهم عظيم لأنه لم ينطلق من أسس راسخة للعلوم يستند إليها، وقد بدأ كثير منهم أفكاره وبحوثه من الصفر، ومنهم من اخترع الصفر نفسه، وصعوبة الإنشاء على غير مثال هي الإبداع بعينه. ومن جهة ثانية هيّأت بساطة العلوم المتاحة الفرصة لأولئك العلماء ليدلو دلوهم في أكثر من مجال وهم يلمُّون بمعظم (كلّ؟) ما أُنجــِز في كلٍّ من تلك المجالات من غير أن يتطلَّب ذلك منهم فوق ما هو معروف من عزم العلماء الشديد وهمّتهم الرفيعة، ومعلوم أن ذلك الصنيع لا سبيل إليه اليوم مهما يُؤتَ العالم من شدة العزم ورفعة الهمة مع التعمق الموغل بلا حدود والتفرُّع الواسع بلا قيود في سائر ضروب المعرفة بما يجعل الإضافة إلى أي منها عملاً يكاد يستغرق العمر كلّه لا نزهةً من فراشة دؤوبة تصيب من كل بستان زهرة.

انتهت إذن “موضة” الجمع بين الألقاب في شتى فنون العلم والمعرفة إلا ما كان على سبيل إنشاء علاقة مبتدعة بين فرعين من المعرفة بغرض تأسيس فرع جديد يأخذ اسماً مشتقاً من الأصلين اللذين نشأ عنهما مستفيداً من بعض خصائصهما في تفجير ثورة علمية جديدة، وهذا كما هو واضح مثال على التفرُّع الواسع للعلوم والتشابك العظيم بينها وليس على يُسْر إحاطة العالِم الشاملة بأكثر من علم.

ولكن الألقاب المتباينة العديدة لا تزال رنانة وحلم اقتناصها لا يزال يراود العلماء والأدباء والساسة والرياضيين والفنانين، ولقب “فنان شامل” دليل بسيط على الهوس الذي لا يزال جاثماً على صدور المبدعين بامتلاك ناصية المواهب المتعددة.

غير أن إجادة ممثل – على سبيل المثال – أداءَ أدوار متباينة لا يجب أن تدخل في إطار التنقل بين ضروب مختلفة من الفن في مقام التحليل والتقييم داخل سياقنا هذا، فالممثل الشامل هنا (وإن أسعده اللقب وحلّق به فوق المراد منه) يشبه الكاتب الذي يطرق سائر مواضيع الحياة داخل الشكل الأدبي الواحد ولا يترك غرضاً واحداً منها يستحوذ على مشروعه الإبداعي دون أن يتنقل – بالضرورة – بتلك المواضيع بين القصة والشعر والرواية والمسرحية والمقالة، ثم يعرِّج داخل الشعر – مثلاً – فيصرّ على كتابة القصيدة العمودية وشعر التفعيلة وقصيدة النثر مستحضراً المدراس التقليدية والحديثة ومفهوم الحداثة وما بعدها وكل ما يمكن أن يسفر عنه مستقبل الأدب والنقد في المدى المنظور.

ذلك بعينه ما نعنيه من هوس الكُتــَّـاب باستعراض مهاراتهم، ليس على سبيل التجريب وإنما إثباتاً للقدرة على خوض غمار الكتابة من شتى مسالكها وفي سائر الظروف ووفقاً لكل الأمزجة. وإذا كان تعقيد علوم اليوم يحول دون إلمام العلماء بجميعها أو بأهمها كما كان ممكناً من قبل، فإن تعقيد مفهوم الموهبة وعِظـــَـم أسراره يجعل إجادة الكاتب كل أو حتى معظم فنون الكتابة أمراً شديد الصعوبة خاصة مع التعقيد الذي طال فنون الأدب ونقده ضمن ما طال من سائر ضروب المعرفة والحياة. أما عندما يطمح الكاتب إلى أن يكون فرسَ الرهان في كل سباق على كل ميدان أدبي فذلك هو المستحيل تقريباً.

إذا كان الكاتب لا يرى بأساً بأن يكون الأسبق في الشعر مثلاً ويكتفي بشرف المشاركة في نهائيات سباق القصة والرواية والمسرحية فلا بأس، ولكن ما الذي يجعل ملكاً في ناحية من الأرض يرضى بأن يكون في الوقت نفسه وزيراً في ناحية أخرى منها ولو مجاورة؟

الغالب أن الكُتــّـاب المتجوِّلين بين أشكال الكتابة المختلفة ينطلقون من رغبة عارمة في التفوّق وحلم أزلي في امتلاك ناصية الألقاب، أو على الأقل لقب “الكاتب الشامل”، أسوة بالممثل الشامل، ولا ضير في ذلك إذا كان الشمول مرادفاً للكتابة في سائر الأغراض تحت الشكل الأدبي الواحد وليس التبريز في كل شكل على طريقة “فرس الرهان”، فالـ “السوبر كاتب” شأنه شأن “السوبرمان” لا يزال قيد التجارب المعملية النظرية، والأهم أن افتراضاً جدلياً بنجاح تجربته لا ينبئ عن بدعة تدعو إلى السعادة، فتلك ليست سوى أسطورة “الديكتاتور” يُراد لها أن تــُـسحب من السياسة على الحياة، وفي حالة “الكاتب الشامل/السوبر كاتب” على الأدب بصفة خاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *