nasdahab@gmail.com

يُحكى أن – والقصة واقعية – عالِماً في الكيمياء ذاع صيته حتى ملأ بلاده وشغل أهلها على قدر من يهتم منهم بتلك الوجهة العلمية النادرة ومن يُعنى بالنبوغ والنوابغ في كل مجال. وكان عالم آخر في الكيمياء نفسها ذو سمعة علمية رفيعة وحظ أدنى من الذيوع قد سنحت له فرصة أن يرافق العالم الشهير في بعثة للدراسة فوق الجامعية في الغرب، ولم يكن أيٌّ منهما حينها قد حصل بعدُ على لقب أبعد من “مشروع عالِم كبير”، وسنحت للعالم الأقل شهرة أن يجلس في مقاعد الدراسة والامتحان في البعثة إلى جوار زميله الأرفع مكانة والذي كان يسبقه في الجامعة بنحو عامين، وفيما يشبه سلوك أسد جريح ظل الأقل شهرة يجدّ ويكدّ حتى تفوّق على صاحبه ذائع الصيت فيما أحرزا من نتائج الامتحان.

غير أن من حكى القصة يقول إن الأمر لا علاقة له بالمثابرة والاجتهاد، وإنما بحظ كلا الرجلين من الموهبة ابتداءً وهو ما تكشــَّـف مع المواجهة بين كليهما على مقعدين دراسيين في أرض محايدة، وقبل أن يبدي أحد استغرابه من أن يكون الوطن أرضاً غير محايدة يبادر محدِّثي ببسط السبب، فالعالم الأكثر شهرة ينتمي إلى حزب سياسي ظل يعلي من اسمه وشأنه على الرغم من أن إبداعه ليس مما يدخل في جملة ما يمكن أن يفيد مجموعة عقيدية في تنظير من أي قبيل، ولكن انخراط نابغة في أي مجال في حزب ما من الممكن – كما بدا من القصة – أن يكون مفيداً في الترويج لذلك الحزب، ومن قبلُ في الترويج للنابغة من أجل مزيد من الشهرة أيّاً ما كان مجال نبوغه.

ماذا عن الكتابة؟ لا ريب أن أثر الجماعة التي تقف خلف الكاتب أكبر وأهمّ، فالكتابة لعبة إعلام أكثر مما هو الحال مع الكيمياء، والتهليل لكاتب واعد في السوق أو تأكيد أحقية كاتب مرموق مما ينتظره الناس على اختلاف قطاعاتهم أكثر مما ينتظرون أخبار علماء الكيمياء والفيزياء والميكاترونيكس، كما أن إنتاج الكاتب مما يمكن أن يفيد جماعته – أيّاً ما كان الإنتاج وأيّاً ما كانت الجماعة – على وجه العموم أكثر مما يمكن أن يفعل إنتاج علماء كالمشار إلى أمثلتهم منذ قليل.

وكان بعض النقاد يرى أن اليسار العراقي في ستينيّات وسبعينيات القرن الماضي صاحب أثر كبير في ترويج اسم عبد الوهاب البيّاتي على حساب بدر شاكر السيّاب الأعمق موهبة في نظر أولئك النقاد. كما أن بعض أدباء مصر يُذكِّر بأن اسم نجيب محفوظ لم يكن يُذكر في وقت من الأوقات إلى جانب يوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله الأدنى موهبة كما يُفهم من سياق الشكوى، في إشارة إلى تأثير جماعة ربما لم تكن أيديولوجية بالمعنى المعجمي للكلمة وإنما فقط قريبة من السلطة.

المصلحة إذن مشتركة بين الكاتب والجماعة التي تقف وراءه، والأوضح أن مصلحة الكاتب أكبر، فالجماعة تحتاج كي تجني مكاسب محسوسة إلى لفيف من المبدعين من سائر المجالات وطائفة من الكُتاب المستعدِّين لتدبيج إبداعاتهم مباشرة في مصلحة ما ترمي إليه الجماعة التي ينتمون إليها، بينما يقنص الكاتب عوائد شهرته مباشرة جرّاء التحاقه بجماعة تحمل عنه مهمة الترويج التي لا بد أن تقوم بها جهة لصالح اسمه وإبداعه إذا أصرّ على أن يكون صاحب صيت مدوٍّ ومجد رفيع.

وقد يأبى كاتب لا يزهد في الذيوع أن ينضم إلى حزب سياسي أو مذهب فكري أو إلى غير ذلك من الجماعات على أي صعيد، لكنه يختار أن يكون ذكيّاً في قربه من الممسكين بزمام الأمور على الصُعُد المفضية إلى وسائل الإعلام – ومن ثمّ نفاذاً إلى قلوب الجماهير – بحيث لا يُغضب أولئك الممسكين بمعارضة واضحة أو مستترة ولا يبخل عليهم بدعم فكري قد يحتاجونه وإن جاء مستتراً.

في سيرة المتنبي شاعر العربية الأشهر أكثر من عبرة على هذا الصعيد، فقد كان الشاعر الكبير ماهراً في التقرُّب من السلطة ليس من أجل مجد أدبي وإنما طمعاً في قطعة ولو يسيرة من كعكة تلك السلطة. والمتنبي من الحالات الخاصة التي أفادت منها السلطات والجماعات إضافة إلى الأفراد النافذين الذين اقترب منهم مثلما أفاد هو من ذلك الاقتراب. وفرادة حالة المتنبي تتجلّى في أنه لم يكن ينشد في الجماعة التي يدنو منها أكثر من الهالة التي تحيط بها لتشمله ببهائها فيذيع شعره من تلقاء نفسه وقد سُلِّطت عليه الأضواء دونما حاجة إلى أي فعل ترويجي أبعد من ذلك، فكأن المتنبي – بلغة أكثر حداثة – كان يبحث عن الكاميرا ليسرقها ممن هي مسلّطة عليه، سواء أكانت من تحدّق إليه الكاميرا في منزلة سيف الدولة الحمداني أو كافور الإخشيدي أو غيرهما من الممدوحين الأقل شأناً في السلطة والجاه والمال.

لا بد للكاتب إذن من موقف مباشر إزاء الجماعة (سلطة/حزب/اتجاه فكري/مذهب أدبي/عرقية/قبلية…) صاحبة النفوذ إذا كان يطمح إلى الأضواء ومن ثم التأثير، فحياد/إنصاف/تجرُّد المؤثرات من حول الكاتب في التعليق على إبداعه وتوجيهه بمثابة الخرافة، أو الأسطورة في أفضل الأحوال. ومنحــَى “الفن من أجل الفن” لا يزال حلماً رومانسياً يداعب خيال طائفة من المبدعين ليست بريئة باستمرار فيما يخص التجرّد في التنويه بالإبداع بعيداً عن المؤثرات الأيديولوجية وغيرها، فأصحاب ذلك المنحى أنفسهم على استعداد لأن يناصبوا العداء من يخالفهم النظر فيجعل للفن واجباً – سوى الفن – يتحتــَّـم أن يؤديه إلى الحياة.

وعندما نخال مدينة فاضلة – بالمعنى غير الأفلاطوني – ينسحب فيها تأثير الجماعات (من كل قبيل سبقت الإشارة إليه) في الترويج للكُتاب إلى الهامش، فإن مجموعة من الأصدقاء المبدعين تؤلف بين قلوبها مشاعر المحبة (لا أكثر) يمكن اعتبارها رجوعاً إلى ردود أفعال تلقائية شائعة – في تقييم أعمال غيرها – “جماعة” قادرة على تدمير مبدعين آخرين بدافع الكراهية (لا أكثر).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *