فيما أرى

اليوم يكمل العقيد سيف الدين الباقر 454 يوماً فى السجن من دون تهمة.. عمره الآن ثلاثة وسبعون عاماً، أكل السكر جسده، تنهش الغرغرينا أطرافه، وقد تبتر ساقه قريباً، ويكاد بصره يذهب، لا دواء ولا طبيب، يموت موتا بطيئاً.. ينتظر يومه فى أقبية السجون.
في هذا الزمان كل شيء ممكن.. فبعض القائمين على العدالة لا يعرفون مخافة الله، وليس لهم من وازع ضمير أخلاقي يمنعهم من ارتكاب كل الموبقات السياسية، فمثلاً بإمكان لجنة التفكيك أن تنتزع أموالك، وتشهر بك وتقذفك في غياهب السجون بلا تهمة، ولا قضاء ينصفك.
الآن من هو العقيد سيف الدين الباقر وما قصته؟ قبل نحو أكثر من ثلاثين عاماً كان العقيد سيف رائداً بقوات الشعب المسلحة، وتلقى أمراً من قائده للتحقيق في انقلاب رمضان 1990.. كتب محضر التحقيق ورفعه للجهة الآمرة بالتكليف وانتهى دوره هنا.. بعد أكثر من ثلاثين عام جاء حزب البعث على حين غفلة من الزمان، ووجد سلطةً مجدوعة في عرض الشارع، ذلك في ديسمبر 2019 فالتقطها برفقة ثلاثه آخرين وكونوا “4 طويلة”، ومن يومها بدأ الحزب في أخذ ثأره، وفش غبينته في كل من اعتقد أنه كان سبباً في إعدام ضباط انقلابه الفاشل في 28 رمضان.. استولى البعث على محاضر الجيش السرية، بل في غاية السرية ونبشها ليستقي كل المعلومات عن كل من لـه علاقة بالانقلاب لا تسأل كيف، بلد فوضى وأسرار الجيش في السهلة، أخذت الملفات من أضابير الجيش ليستلمها محققون مدنيون، عبر لجنة كونها النائب العام السابق تاج السر الحبر من وكيل أول نيابة حيدر حسن رئيساً، ووكيل نيابة أبشر دلدوم مقرراً وبعضوية محاميين، هما إقبال أحمد علي، وبشرى صالح، بالإضافة إلى ممثل الشرطة.
2
مباشرة بدأت حملات القبض والتنكيل، فأخذ سيف الدين من منزله ليلاً إلى الحراسة، برغم أنف قانون القوات المسلحة، الذي ينص على أن لا يحاكم عسكري أمام قضاء مدني إلا إذا حولته نيابة عسكرية، و بإذن من القائد العام.. ذلك ما لم يحدث، حيث أخذ العقيد سيف للسجن منذ ليلة 9 يوليو 2020، ولم يعد لأطفاله حتى لحظة كتابة هذه السطور.
ما أدهشني أن الجيش ظل يتفرج على الاستهزاء بقوانينه ومرمغة منسوبيه بالأرض بواسطة لجنة مجهولة الهوية.. بالله كيف يمكن لقائد عام للجيش الآن أن يأمر أحد ضباطه أن يكون طرفاً في تحقيق يتصل بأي انقلاب، إذا كان الجيش عاجزاً عن توفير الحماية له في المستقبل، ليصبح عرضة للانتقام متى ما اعتلى السلطة بعثي أو شيوعي أو إسلامي منقلب، أو راكب فوق موجه ثورة؟ تلك المهزلة تقول للضباط إياكم ولجان التحقيق، فالدنيا ما معروفة، والجيش لن يحميكم.. صمت الجيش و ارتجافه أمام اللجان المدنية التي تتجرأ على قانونه لم أَجِد له تفسيراً، هل يُعقل أن ترتضي القوات المسلحة وقادتها أن تصبح موضع سخرية وشتائم في أجهزة الإعلام الرسمية، وأن تصبح قوانينها هزواً، ومنسوبيها عرضة لعصابات اللجان المدنية مجهولة الهوية والغرض؟
أهو هذا الجيش الذي ندخره لحماية مالنا ودمنا؟ يعجز عن حماية نفسه وضباطه؟
مناع محق إذ قال أنه سيفكك جهاز المخابرات مباشرة وغداً قد يعلن أنه وزمرته سيفككون الجيش!!
3
تنص المادة 97 الفقرة 4 من قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 على الآتي: (يجوز للقاضي الأعلى في حالة المقبوض عليه الذي وجهت له تهمة أن يأمر بتجديد حبسه لأغراض التحري كل أسبوعين على أن لا تتجاوز مدة الحبس بجملتها ستة أشهر، إلا بموافقة رئيس الجهاز القضائي المختص).. برغم وضوح النص بقي العقيد سيف في زنزانة لمدة 15 شهراً من دون تهمة.. أكرر من دون توجيه أي تهمة له.. لم يجدوا تهمة يوجهونها إليه.. هذا يحدث في زمان ثورة شعارها الحرية والعدالة.. بالمناسبة يرقد بالقرب منه البروفسور العالم الجليل باني الجامعات، ومعلم الأجيال والالاف من السودانيين مأمون حميدة، يفترش الأرض الساخنة.. نزعوا منه حتى المخدة.. تصوروا.!!
وكذلك رجل الأعمال عبدالباسط حمزة، وزميلنا الصحافي عطاف عبد الوهاب، ينامون جميعاً في زنازين ضيقة على البلاط من دون لحاف، زنازين تضج بالبعوض والذباب والطعام يتم استجداؤه، لو رأيت الأسمال البالية والجلابيب المتسخة التي يرتدونها كما افاد شهود عيان لطفرت من عينيك الدموع، أهكذا يعامل الضباط والصحافيون والعلماء ورجال الأعمال.. بمثل هذه المذلة؟
يا إلهي متى تأتي القيامة، أما لهذا الليل الطويل
آخر؟
4
نعود لمأساة العقيد سيف، إذ تقول التقارير التي استلمها النائب العام أن العقيد بحاجة إلى تناول وجبات معينة، وبمقادير محددة لا تتوفر في الحراسات، ويحتاج لفحص دوري للدم ولتناول الأنسولين، وجرعات أدوية أخرى.. (قال له رئيس اللجنة حين طالبه العقيد بالدواء وأنه سيموت إذا لم يتوافر له.. ما تموت يعني شنو !!)..
أضف إلى ذلك أن عمره حين دخوله السجن كان 71 عاماً واليوم 73 عاماً، وعليه يمكن أن يطلق سراحه بضمان بحسب نص المادة 84 من القانون الجنائي لعام 1991، ولكن لاحياة لمن تنادي.
السيد النائب العام، الذي أملنا في حياده وعدالته فإذا به لا ينظر في تظلم العقيد سيف الذي ينتظر في مكتبه منذ شهور.. تذكر يا سيادة النائب العام أنك ستغادر هذا المنصب ذات يومٍ، فاتخذ موقعك الذي ترغب في التاريخ!!
سيخرج العقيد سيف يوماً ما من زنزانته مرفوع الرأس، ونسأل الله أن يخرج معافىً، ولكن أين ستذهب عصابة الأربعة، وكيف ستهرب بجرائمها تلك؟ وماذا ستقول قيادة الجيش لعساكرها وضابطها؟ سيلحق العار بكل السياسيين الذين لاذوا بالصمت، وغداً ستدور الدوائر.. والله غالب على أمره، وهو لا يهدي كيد الظالمين.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *