*فيما أرى*

1
ارتقى عشية الاستقلال (30 ديسمبر) خمسة شهداء من أنضر شباب السودان، خُضِّبت صدورهم ورؤوسهم بالدماء القانية، فُتحت الطرقات لتكون مسارح للموت والقتل، غاب العقل وحضر الرصاص.. الرصاص مقابل الهتاف.. هذا ليس عدلاً!
السلطة التي ترتجف فتقابل الهتاف بالموت عليها أن تتأبط عارها وترحل.
أكثر من ستين عام من الاستقلال والوطن يشيخ ويتشظى وينزف دماً، ستون عاماً فى دوامة الصراعات بين نخبه السياسية والعسكرية، من دون هدنةٍ تسمح للوطن بالتقاط أنفاسه، لا يلوح فى الأفق سوى الدم.. نزف الجنوب حتى غادر، دارفور أنهار من الدماء لا تتوقف، الشرق يحتضن فقره وبؤسه، نزف بما يكفي، ومن فرط يأسه أمسك بحلق الوطن لينداح النزيف في الجسد كله، والآن محل ما تقبل لا ترى إلا الدم، من طرقات الخرطوم وحتى جبل مون، إذا رأيت وطناً تدثر بالغبائن وانداحت رائحة الدم في أرجائه فانتظره علي بوابة المجهول، أو في براثن الحرب الأهلية.
الله يكضب الشينة.

2
*ما هنت يا سوداننا يوماً علينا*
يا لكم من كذابين.. بل هان عليكم حتى مزقتموه دولاً، هان عليكم بحيث عجزتم أن تتعايشوا تحت سقفه إخوةً متحابين.. أسقطم أغلى ما يملك وهي مآثره، كان تاجها التسامح وعفة اللسان، أحلتموهما هباءً منثوراً.
كانت لنا مآثر والديوان حافل، والكل له في خدمة الشعب عرق.. (وطن كانت أسمى مكارمه أنّا فيه نكتمل،
غرة الأوطان كلها فكيف عن غرة الأوطان نرتحل)، الآن ارتحلنا كلنا إلى المنافي، إذ لم يعد لنا وطن جميل، الآن وسمت الكراهية قلوبكم وتسيد خطابها فضاءكم، ذاك شيوعي وهذا كوز وثالث عميل ورابع عنصري وخامس خائن وسادس فاسد وسابع طائفي مغلق وثامن مجرم وتاسع وعاشر مثلي!!
هل أزيدكم من قاموس التباغض شيئاً، إلى ألف نعت ووصف؟ هذا محتوى أسافيركم، فانظروا وقولوا لي من أنتم؟ سودانيون بعلامة أيه؟
حسد وتباغض وشتات وكراهية وصراعات وغبائن لا تعرف سقفاً وبلا نهاية.
3
*نقد والسؤال المستحيل!*
قبل شهرين من رحيل الاستاذ محمد إبراهيم نقد، شآبيب الرحمة تتنزل على قبره، كنا نزوره أنا والأخ الدكتور تجاني عبد القادر ودكتور عبد الله حمدنا الله، انداح الحوار في نواحٍ شتى، وكان لي سؤال حيرتني إجابة الأستاذ عليه. قلت لماذا تركتم كل القضايا المعقدة التي تواجه البلاد منذ الاستقلال، قضية الوحدة الوطنية الهوية والتنمية والدستور، كلها تركتموها بلا حل، لتتفجر جملة واحدة في وجوهنا الآن.. لماذا؟ قال: (سؤالك ممتاز ولكن ما عندي ليهو جواب، وأوعك تسأل السؤال ده لواحد من جيلنا)! طيب نسال منو؟: (حاولوا أن تجدوا الإجابة لوحدكم، جيلكم ده والأجيال اللاحقة عليها أن تتحصل على الإجابة بعيداً عن رأينا نحن لتعرف من أين تبدأ).
السؤال ذاته وجهته للدكتور منصور خالد وللترابي والصادق ومحمد أبو القاسم حاج حمد وكثيرين من أساطين ذلك الجيل، ولكني أدركت في النهاية أن أقيم نصيحة قدمها لي نقد، لا أحد يمتلك إجابة.. كل يلتق الكلام من زاويته، ولكلٍ رواية وحكاية لا تستند إلى حقيقة، ولا تنتج معرفة، السؤال مازال مطروحاً.. لماذا حدث ما حدث؟
أوصيكم بما أشار به نقد.
4
*عبد الله قالب هوبا*
حكي أستاذي عبد الله علي إبراهيم …فقال إنه حين سمع لأول مرة باستقلال السودان كان (قالب هوبا) في حواري أتبرا، الحقيقة أن بروف عبد الله استمر على تلك الحالة ولم يزل قالب هوبا، اذ ظل يتغزل فى سيئة الذكر لجنة التفكيك حتى هلكت، معقول يا بروف ثمانية عقود (كل عام وأنت بألف خير) قالب هوبا وتختمها بالتفكيك..
الحقيقة أن بروف عبد الله ليس وحده، فذلك الجيل كله كان قالب هوبا، منذ الاستقلال الذى أطل فجأة من داخل البرلمان (قلبوا هوبا) حينما اتفق الحزبان فصار السودان حراً مستقلاً.
تبنى ذلك الجيل شعار تحرير لا تعمير.. فقلب الهوبا أيضاً، فكيف يتحرر وطن لا يتعمر، من عجب أنهم طبقوا ذلك الشعار بحذافيره، فأحالوا الوطن إلى خرابة وحلبة صراع قميء على كراسي، فوق تلال من الغبائن والدم والقتل المستمر منذ أن تفجرت حرب الجنوب في تمرد توريت أغسطس 1955 وحتى ديسمبر 2021.. لم يتفقوا على دستور ولا كيف يحكم السودان، ولا من يحكم، ولا على النظام البرلماني ولا على النظام الرئاسي، لم يتفقوا على الاقتصاد، رأسمالي أم اشتراكي، ولا نظام حكم مركزي أو إقليمي، ويحدثونك عن وحدة الوطن فى الوقت الذي أحالوا فيه أحلامه وأشواقه إلى شظايا.
٥
*لينا.. مين زيها؟*
الذين اعتدوا بالأمس القريب على مقر قناتي العربية والحدث و على زملائنا الصحافيين والمذيعين عليهم أن يخجلوا ويعتذروا، لا للإعلاميين فقط، بل للشعب كله وليس للقناة وحدها ولا الكفلاء.. إذ أنهم لم ينتهكوا قداسة الإعلام ولا حرية التعبير فحسب، إنما الكرامة الإنسانية بممارساتهم المتهورة التي شهدها العالم أجمع وعلى الهواء مباشرة، ضرب وتكسير وإساءات، عنف مفرط على من ليس بيده سوى كاميرا وميكروفون وقلم.
أجمل ما في المشهد هو ذلك الثبات العظيم الذي واجهت به الصحافية بقناة الحدث لينا يعقوب تلك الهمجية، إذ خرجت بعد دقائق من تلك السخافات على الهواء مباشرةً، لتروي الفظاعات والانتهاكات التي مورست غير آبهة أو وجله لما يمكن أن يحدث لها.
لينا برغم القهر الذي ظل يمارس عليها عبر الأنظمة ومن غوغاء الشوارع وبلطجية الأجهزة و الأسافير إلا أنها لم تتوارَ وتضع القلم، وكانت دائماً تقف أمام الكاميرات في كل مكان تغطيةٍ خطر، وكان صوتها دائماً يسري بالحقيقة، باستقامةٍ مهنيةٍ بديعة، لا تعرف الانحياز ولذا هي تُغضب الجميع ولا تبالي، على الصحافيين أن يستمدوا من لينا وأمثالها روح الصمود والمهنية، ليكتبوا صفحةً ناصعةً في تاريخ الإعلام السوداني.. لأمثال لينا ورفيقاتها تُرفع القبعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *