nasdahab@gmail.com

إذا كنا قد تحفظنا في مقام قريب على الإجابة صراحة على السؤال: “كم يقبض المنظــّر مقابل ما يقبضه نظيره العامل في حقل التقنية أيّاً ما كان مجال ذلك الحقل وأيّاً ما كان موقعه فيه؟”، وكان بعض أسباب التحفظ يتعلّق بحفظ ماء وجه المنظرين من أمثالنا، فإن كثيرين – لا تعنيهم وجوه المنظرين ومياهها – على استعداد لأن يتبرّعوا بالإجابة شافية وافية حالَ أن تتبادر إلى مسامعهم أطرافُ السؤال.

الحاجّة سعاد والدة أحد أصدقائنا الكرام من أولئك الكثيرين لا ريب، وكان ذلك الصديق قد نوى مبكّراً أيام الدراسة الجامعية أن يتزوّج وصرّح لأمّه بذلك طلباً للعون (المادّي بالتأكيد)، ولم يتطلّب الأمر من الأم المحنــَّـكة سوى ثواني معدودة لكي تبدّد الفكرة (مرحليّاً) من ذهن ابنها الولهان حين عاجلته بالردّ: “لمــّـن تبقى قدر العرس عَرِّس”. لم يكن مقصد الحاجة سعاد أن فلذة كبدها ذاك لم يبلغ حينها مبلغ الرجال جسديـّاً، فقد كان الولد أيامها تحيط بحـَـنكه “سكسوكة” تتزحلق على مدارها الصقور، كان مبلغ الرجال “جَـيـبـيـّـاً ” هو ما تعنيه الحاجّة التي عركتها الحياة، والنساء على أية حال لسن بحاجة إلى معركة طويلة مع الحياة كي يدركن أهمية مبلغ الرجال “الجيبي” ذاك.

نشير كذلك من باب الأمانة في النقل والاستقراء إلى أنه لم يكن مقصد الحاجّة سعاد أن يُكمل ابنها دراسته الجامعية ويتــّخذ مهنة بعينها تدرّ عليه مالاً وفيراً يعين على إتمام مراسم زواج أسطورية، فما كانت تعنيه على الأرجح أية مهنة تدرّ مالاً كفيلاً بأن يجعل ابنها ينهض وحده بأثقال الزواج المادية دون الحاجة إلى عون أبويه أو أي موسِر في محيط الأقربين.

تخرّجنا وتباينت حظوظنا في العمل سعة وضيقاً ثم تباينت تبعاً لذلك في الزواج تبكيراً وتأخيراً، وبتجاوز تعريفات المرحلة الجامعية وأحلامها (إضافة إلى الفروق الفردية بين كلٍّ مِنا) فإن المهن الأكثر تألقاً كانت تلك التي أعانت أصحابها على زواج مبكّر وحياة ميسّرة بعد ذلك (من الناحية المادية على الأقل).

وفيما عدا ذوي المواهب المتفرّدة، والفرص الأكثر تفرّداً، كانت الحظوظ المادية لمـَـن امتهنوا الكتابة من رفاق الجامعة إجمالاً أكثر تعسّراً من غيرهم، ولأني وفق التعبير المصري “صاحب بالين” أحدُهما الكتابة فإن شهادتي على الصنعة المغضوب عليها في هذا الحديث أبعد من أن تطالها تــُهمة “اللاموضوعية” – كما أفترض ابتداءً – كوني لا أبادر إلى صبّ اللعنات صبّـاً على الكتابة كلّما ضاقت أبواب الرزق ومداخلُه وأنا أكسب عيشي أساساً من صنعة غيرها. في المقابل، فإن هِـبَـات الصنعة الأخرى الأكثر سخاءً تدعو إلى النظر إلى تهمة “اللاموضوعية” على أنها على بعد مسافة قصيرة منــِّـي من جهة أخرى.

ولكن مهلاً، هل من خلاف على أن الكتابة الآن واحدة من الحِرَف الأقل عائداً على أصحابها ؟ إذا كانت الإجابة “لا” كما نرجّح فإن السؤال الأحرى بأن يستحوذ على الخلاف يجب أن يكون: “لماذا فشل الكُتَــّـاب في أن يجعلوا الكتابة مهنة ذات مردود مادي يكفل حياة كريمة إن لم تكن راقية؟”، فإذا سارع البعض في معرض الإجابة إلى تأكيد أن السبب يكمن في إدبار الناس عن القراءة، فإن السؤال التالي يجب أن يكون: “وأي المهن تلك التي استرعى نِتاجها اهتمام الناس واستأثر بإقبالهم؟”.

وأيّاً ما كان الجواب فيما يخص المهنة التي استرعت الاهتمام واستأثرت بالإقبال، فإن تلك هي المهنة “الأرجل” من الكتابة، على اعتبار أن بإمكانها أن تجعل من كانوا في مثل حالة ابن الحاجة سعاد “قدْر العِرس” خلال زمن يسير عقب التخرّج من الجامعة، وهي – إجمالاً – المهنة التي رفع أرباب الكتابة الراية البيضاء إزاءها ضِمنياً حين اكتفوا بتقريع الناس وهم يدبرون عنهم صوبها.

ومثلما نوّهنا في المقام القريب سابق الذكر بمن يصبر على قراءة هذه الكلمات بوصفه “الوجه الأكثر تألقاً في كل ما يمت إلى التنظير بصلة من صُوَر في أمثال هذه البقع من العالم”، فإننا نستدرك ونضيف إلى ذلك القارئ الصبور كاتباً أكثر صبراً يكتب غير متذمّر من إدبار الناس أو قلة المال، دون أن يكون بالضرورة “صاحب بالين” يتــّـكئ على “الأرجل” منهما في كسب عيشه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.