رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2021/04/22

في هذه الأمسية.. يخرج شيطان الليل من القمقم.. يكسر الجرة وأواني الفخار.. ويقف في وجه القمر، حتى لا يسكب نوره على نافذتي.. أو يطفئ الفوانيس التي اسرجت على شرفات المنازل وطرقات المدينة.. لقد ضجرت من سنوات الغربة وهي تجتاح عقارب العمر، وضجرت من رائحة الموت التي تزكم صفحات الفيس بوك وبوستات الواتساب.. وسأمت من جروح الوطن التي تنز منذ عقود طويلة.. لا تمر ساعة من الزمن حتى يومض هاتفي بخبر حزين أو بصوت باك أو بآهة متعبة مسكونة بالشجن وبقايا حنين معتق.

وسط هذه الأحزان المتناسلة، خرجت سنبلة من فجاج الأرض.. نبتة طيبة سقاها الله بالإرادة القوية والعزيمة والتحدي. أمين أسامة ميرغني.. أو كما ينادونه "أمينو" أنهى دراسته الجامعية بجامعة المشرق السودانية رغم الإعاقة الذهنية والجسدية التي لازمته منذ ولادته..

 شاهدت الاحتفال الذي أقيم على شرف مناقشته بحث التخرج، ففرحت حتى شارفت على البكاء."أمينو".. نموذج الشاب القوي الذي قهر ظروفه وتمسك بحلمه ومنع الريح أن تعصف به.. إنه شمعة تتراقص بين الظلال وعتمات المستحيل.. لقد أكد انتصاره لنفسه ولأبناء جيله ولأصحاب الهمم ولنا جميعا.

قصة " أمينو".. قصة عائلة قدمت تضحيات عظيمة.. انتقلت الأسرة من مدينة الأبيض إلى العاصمة (كرش الفيل) تبحث عن الظروف والأجواء المناسبة للدراسة والتحصيل.. همزت راحلتها وتركت خلفها حياة الأبيض بناسها الطيبين ونهاراتها الصاخبة بالحب والمودة.. ترك والده الصحاب يتسامرون أمام الدار.. والصغار يتسابقون بين دروب الحي وأزقته وتشبث بأمله في أن يرى فلذة كبده ناجحا كسائر الناجحين.. تركت والدته دلال القهوة وسلال الزهر، وقد أرتوت بماء المطر وجاءت تلهث وراء حلم " أمينو" حتى تحقق.

قصة " أمينو".. رسالة لنا جميعا أن التمسك بالأحلام ليس مستحيلا.. قصة " أمينو" قصة شعب، عاش الظلم وانتصر.. قصة أمة أرهقتها الحكومات المتعاقبة، لكنها تنتظر الفرج القريب يهفهف كنسمة الفجرية في الغبش الضحوك. ما زالت جراحنا تنزف.. لكن النصر آت لا محالة.. والحمائم عائدة إلى أوكارها.. ستدب الحياة وستبحر سفننا وتحط البلابل على الأرصفة الآمنة..

 

مبروك أمينو...!!

[email protected]

التعليقات