رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/01/26

أقاصي الدنيا

 

علمتني السياسة قراءة نصها من باطنها .من الشغاف التي لاتراها العين المجردة . منها ايقنت ان العداء ليس مطلقا ون الثابت يمكن ان يصبح متحولا وان الاشياء ليست هي الاشياء .

كانت الانقاذ منذ ولادتها مسرحا لهذه القناعة فقد نجحت في الوصول الي السلطة بخدعة وانتهت بخديعة .

راهنت في عشريتها الاولي علي طرح تجربتها كانموذج اسلامي متمدد وعززت لذلك الفهم بالمؤتمر الشعبي الاسلامي الذي تولاه شيخها وعرابها بهدف تغيير انظمة الحكم في الجوار القريب والبعيد وكانت الخرطوم في تلك الايام مزارا لكل الاسلاميين العتاة وبقعة يحج اليها كل الجلاوزة وانتهت تلك الحقبة بعزل شيخها وتسليم كارلوس والسطو علي مال اسامة بن لادن وفتح المسارب السرية الاستخبارية مع امريكا التي استمرت حتي انقلاب اللجنة الامنية في ابريل هذا العام.

كانت الانقاذ تخاطب الشارع المحلي بخطاب وتتوسل للخواجات بلغة اخري .لغة تتسامح مفرداتها مع مفاهيم الدولة المدنية والحريات ودولة المواطنة.والتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات النزيهة لكنها حين تعود للخرطوم يشعل نصفها الاخر نيران الثيوقراطية والحكم الصمدي واحتكار السلطة ويلهب الناس بسياط النظام العام ويباعد السلام.

كان لابد للشق الخارجي ان ينهي هذه الثنائية لصالح الناس ولصالح الفصيل المتعقل من الاسلاميين فكان له الاسهام الاكبر في التغيير الذي جري.

اصبح الفصيل المتعقل من الاسلاميين اكثر قناعة بان اسم السودان لن يتم رفعه من قائمة الارهاب ولن تجرؤ اوربا علي التعامل في ظل الحظر الامريكي وكذلك الخليج الذي يرغب في تصفية الاسلاميين تصفية ناجزة فما العمل?

من هنا تشكلت نواة امنية عسكرية لها قنوات تصل المدنيين والشارع الذي تسعره نار الغضب والجوع 

ولم يكن سوي هذا الخيار الذي سيضحي بالبشير وبقطاع من الاسلاميين ذووي الشوكة وانعقد النصر للشارع وللتيار الاسلامي الذي يتخفي الان في ثنايا الحدث.

الشارع هو الصوت والناس والشعارات والاماني والاناشيد والاحلام والتيار المنشق من الاسلاميين الغلاظ هو الكتلة الصلبة هو همزة الوصل التي تربط بين امريكا واوربا والخليج وهو المرشح للاستجابة لمطلوبات السلام .فماهي مطلوبات السلام?

دولة مدنية علمانية ديمقراطية تعيد هيكلة كل الحياة . هذا امر شاق علي الاسلاميين لان تحققه يعني بوار كل شعاراتهم لكنهم في ذات الوقت يدركون انه من دون ذلك ستنطوي ارض السودان من تلقاء نفسها وتنقذف خارح الكرة الارضية .لكن هذا الامر علي قسوته يشكل ايضا مخرجا للاسلاميين لان تحققه سيتم علي يد غيرهم وسيرفع عنهم الحرج الايديلوجي لذا اتوقع ان يكون الاسلاميون اكثر الفصائل حرصا علي كل مطلوبات الدولة المدنية .اولا لانهم لن بشاركوا في ذلك لكنهم لن يعيقوه وثانيا سيعيد تجسير العلاقة بينهم وبين الخارج الاوربي والامريكي وسيرسخ في اذهان الخليجيين انهم بالفعل خارج منظومة التنظيم الدولي للاخوان المسلمين وثالثا سيجدون وقتا كافيا لاعادة تنظيم انفسهم ومراجعة اطروحاتهم ورابعا وهو الاهم سيمنحهم الفرصة لاعادة انتاج الشعار الاسلامي علي نحو مغاير علي التجربة القديمة.

تاسيسا علي ذلك اتوقع مساندة الاسلاميين لحكومة حمدوك باخلاص وعلي نحو اكثر حماسا من بعض فصائل الحرية والتغيير فمصلحتهم في هذه المساندة مصلحة استراتيجية لانها تتعلق بالمستقبل والحفاط علي مانبقي من الرمق وماء الوجه والكبرياء السياسية .

التعليقات