رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/08/13

نسبية تحقق مشروع الحركة الإسلامية السودانية في سياقات الواقع يجب التعاطي معه علميا وفق مخاضات وتحديات هذا الواقع وظروف الابتلاءات الداخلية والإقليمية والدولية التي صاحبت تفاعلات التجربة صعودا وهبوطا. 

ان الإخفاق والفشل النسي للمقاربة الفكرية لمشروع الحركة الإسلامية السودانية  لا تعني عدم قابلية المثال المطلق للتحقق والتماثل بفكر ووعي وسلوك متجدد مرة بعد مرة وفق مقتضيات التحدي، فالفكرة محض استنباط واجتهاد بشرى من المثال المطلق وليست تابو مقدس غير قابلة للنقد أو الفشل، فالأصل أن السياسة في الدين من العاديات والأصل فيها الإباحة وتقع في دائرة قول النبي ص (انتم ادرى بأمور دنياكم)، (والدين يجمع بين واقعية العهد القديم ومثالية العهد الجديد).

والإنسان السوداني بذكاءه وفطرته الإيمانية المركوزة يعزو فشل اي تجربة في الحكم نهضت باسم الاسلام لدواعي خاصة في الفكرة والتطبيق والممارسة والجماعة السياسية التي تصدت لقيادة التجربة. ولا يعزو الفشل لهوادي المثال المطلق والذي تعاطى مع هوادي الحكم مثل قيم الحرية والمشيئة والعدل والمساواة،والإمارة على الإطلاق بينما ترك عملية التحقق والتنزيل متجددة وفق تحديات الواقع وظروف الابتلاء. لذلك نجد أن المجتمع السوداني محصنا تماما من التماهي مع واردات اللادينية السياسية. بتجلياتها المختلفة.

وهنا تتجلى العبقرية في استمرارية المثال المطلق في صيرورته المتصلة ابدا عبر التاريخ لأن العلة ليست كامنة في المثال المطلق الذي جاء ليوحد كليات وشعاب الحياة كلها لله ولكن تبقى العلة مستكنة في الفكرة المستنبطة من المثال الأزلي وسياقات الابتلاء وإرادة وصلابة الجماعة التي تصدت لإنجاز المشروع (أن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم).

هذا التحدي مستمر كلما اخلدت وانحطت جماعة بقيم الفكرة إلى الأرض أو كلما تجمدت الفكرة بسنن التقادم،  نهضت جماعة جديدة بوعد البشارة الربانية المستمرة لاستنباط فكرة جديدة وفق مطلوبات وتحديات المرحلة وهذا التراكم العبقري مستمر حتى بلوغ المثال وتحقق البشارة الربانية (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون).

ان أي رباني يثق في تحقق البشارة الربانية الواردة في الآية السابقة لن يتجمد أو يتكلس في تجربة تاريخانية أو تعتريه حالة اليأس والإحباط التي تجعله يشكك في الأصول والهوادي المستنبطة منها الفكرة، ثم يطفق بالمناداة بضرورة اعتزال هذه الفكرة الطوباوية والغير قابلة للتحقق، فبدلا من ان تلهمه بشارة الاستخلاف الرباني خاصية  العصف الفكري والمعرفي المتصل تجديدا للفكرة وبعثا للرؤية ونظما للسياسات للانتهاض بالتجربة من جديد، يرتد لحالة الاستلاب والتبعية الفكرية المطالبة بتطبيق البراديغم الغربي في الحكم وقع الحافر على الحافر وهذا ضرب من ضروب الكسل الفكري والمعرفي ينم حقا أن السودان منطقة ضغط منخفض وقابل للاستلاب والتبعية.

من الفخار أن الخلاصات النهائية لمشروع الحركة الإسلامية السودانية في الحكم قد حسم معادلة الحكم  في السودان لصالح مدرسة اليمين الفكري والسياسي المتجذرة في التربة السودانية وحفز هذا المشروع اتجاهات التدافع الفكري حول نظرية وبنية الحكم في السودان من حالة التناقض والتضاد السالب والهدام بين اليسار واليمين إلى حالة التنوع والتباين الثر والخصب في داخل مدرسة اليمين الفكري والسياسي والاجتماعي، ولذلك فإن أي تجربة حكم جديدة تنهض في السودان ستنطلق إلى الامام من ذات المنصات والهوادي التي انتهت إليها تجربة حركة الإسلام دفعا لقيم الدين في شعاب الحياة الكلية في عملية تراكمية حتى يتحقق المثال الأزلي (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى).

 وهذا لا ينم عن نزعة هيغلية مثالية ترى أن الكل وهو اليمين الفكري يسود بينما الجزء وهو اليسار يجب أن يتلاشى أو أن يعبر عن ذاته من خلال الكل، فالجزء يجب أن يستمر معبرا عن ذاته الفكرية والسياسية وفي ذلك قوة دفع وتحفيز وتطوير لمدرسة اليمين الفكري والسياسي وستكون النتيجة النهائية لهذا التدافع اما تحول اليسار إلى اتجاه من اتجاهات اليمين الفكري والسياسي أو استمراره كأقلية في ضفاف الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية في السودان.

التعليقات