رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/01/26

أقاصي الدنيا

منذ هجرتي لكندا في تسعينيات القرن الماضي لم ار السودانيين بمدينة تورنتو بهذه الزينة والفرحة والاغتباط والزهو .

كان يوم الاحد الماضي يوما ليس كسائر ايام السودانين هناك فقد صاروا في عداد الشعوب المنتجة للسينما الرصينة التي اجتذبت الكنديين انفسهم .

دعوة وجهها لي الاستاذ الكبير السر سيداحمد لحضور عرض فيلم (ستموت في العشرين) الذي استضافته قاعة عرض احتفالات تورنتو بالافلام العالمية  للمخرج السوداني الشاب امجد ابوالعلا .

ترددت لبرهة في الذهاب لاسباب اهمها انني لا اعرف المخرج وثانيها ان الممثل السوداني النمطي لايثير فيني الا التضجر نسبة لاخلاصه الجارف(للعباطة والتكلف) ولكن لحكمة يعلمها الله وكفي وجدت نفسي هناك وسط مئات السودانيين والكنديين وبعض الافارقة في قاعة عرض تتسع لمئات الرواد .

منذ الدفقة الاولي وحتي شهقة النهاية وجدت نفسي متسمرا علي مقعدي اتابع التسلسل الجزل لنص الفيلم واتسفط جوهره الفلسفي وبراعة المخرج في تجويد المشاهد بالاستخدام العبقري لكل ادوات الاخراج .

استطاع ابو العلا حشد ممثليين يؤودون ادوارهم مثلما يشربون الشاي .ذوبان في النص بتجويد عال وحضور طاغ شكلا انسيابا سليقيا لينتجا مشهدا يجرح في وعي المشاهدين ضرورة الانتباه لهذا الالماح الجارف .

قدم المخرج صورا من الطقوس السودانية المرتبطة بالادب الصوفي واهازيجه والعادات السودانية المشتهاة دون ان يصيب نص الفيلم باي اذي ودون ان يخرجه من سياقه المتماسك والصلب فانت امام نص منساب لايخرج عن مجراه الدرامي ولاتقعد به طقوس الرقص السوداني وحلقة الدراويش ورقصات الزار .

استطاع ابو العلا توظيف الكاميرا بذات حرفية مخرجي هوليود لدرجة تسليطها علي عيني بطل الفلم في لقطة جسدت صراع الذات الداخلي الذي يشف في العين ويبين في الوجه ثم انتقلت الكاميرا تنقل عذاب الصوفي وهو يتصيد الحقيقة عبر تلك الينابيع المستورة .

انها المرة الاولي التي احس فيها اننا سنصير في مصاف الشعوب المنذورة بنهوض غير منقوص والمرة الاولي التي اتحسس فيها قدرة الممثل السوداني البارعة لاسيما بطل الفيلم الذي لايتعدى عمره العشرين .

صاغ امجد ابو العلا جملة اخراجية بليغة ورصينة زاوجت بين صلابة النص وتماسك الاخراح وادي الممثلون ادوارهم بعفوية مرنة منحت الظلال الفلسفية للنص براحا تجول فيه الجميع بلاتكلف.

في ختام العرض تحدث امجد عن الفيلم وكواليسه التي بدات في الهلالية ومرت بايطاليا وفرنسا وانتهت بكندا ثم نعي حقبة سياسية حولت دور السينما في السودان لخرابات واوكار واخترقت عبارة عزيزه كانت تتذيل صفحات الصحف (اين تسهر هذا المساء ) هنا ضج كل الحضور وهتفوا وغنوا للسودان الطالع من الركام والصدا والرماد كأن السينما خيار الشعب.

التعليقات