رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/09/19

 

 

اقوال مدير المناهج المعين بواسطة حكومة حمدوك حول القرآن لا تثير لدينا الدهشة لأنها تأتى بالتطابق لما تريده مراكز البحث الامريكية من مناهجنا التعليمية فالمدخل الأمريكي الإعادة صياغة العقل الاسلامى والهوية العربية والإسلامية ،هو مناهج التعليم والإعلام . والقوى الاستكبارية الامريكية والأوربية تعمل منذ سنوات للسيطرة على التخطيط التربوى والتوجيهى فى المشرق الاسلامى لإحداث التغييرالذى يلائمها في هذه المنطقة؛ ذلك لأن التعليم والاعلام ومناهجهما هي ما يشكل وعي الإنسان الناشىء على وجه الخصوص . وهى ما يصوغ طريقة تفكيره ونمو شخصيته وتبلور هويته الفكرية والثقافية . وهدف تحقيق السيطرة على هذه المناهج هو ذريعة لصياغة شخصية تابعة غير ممانعة ولا مقاومة حتى لماتراه لا يحقق مقاصدها أو قد تراه يسلب مقدراتها ويصادم قيمها وإمتثالاتها العقدية والاخلاقية.

والمراكز الامريكية مثل مركز راند تعكف منذ عقدين على الاقل على تحقيق هدف التأثير العميق على الشخصية العربية والأسلامية لبناء هوية جديدة للأجيال الجديدة، ولأن مناهج التربية الدينية وبخاصة ذلك التأثير العميق للقرآن والسيرة النبوية والتاريخ واللغة العربية فى ترسيخ الهوية وتنمية الشخصية فإن إعادة صياغة هذه المناهج سوف يقود إلى الهدف الأمريكي وهو استنساخ شخصية جديدة هجين بين المحلى والعولمى بحيث لاتمثل التهديداالذى تخشاه امريكا والغرب من ثقافة عتيدة منافسة وممانعة وقادرة على تقديم البدائل الحضارية لعالم معاصر مأزوم .

 

وكان تغيير مناهج التعليم الديني الإسلامي أحد أهم مطلوبات أمريكا لمنع ظهور موجات جديدة مما تطلق عليه الارهاب الاسلامى والذى تعزوه الى أثر القرآن والتأويلات المحافظة له على بلورة شخصية مناوئة للغرب.، و قد نجحت أمريكا بالفعل فيما هدفت اليه من تغيير مناهج المدارس التي تخرج طلاب طالبان في باكستان كما عملت على تغيير مناهج التعليم في الجامعات السعودية الإسلامية وأثرت من خلال العمل الاستشارى الواسع المتواصل في المستويات التعليمية الأدني في المراحل ما قبل الجامعية ، وفي مصر تم تغيير مناهج التعليم الأزهري بكاملها تحت عنوان التحديث بما اقترب من العلمنة للأزهر العتيق. ويتواصل عمل الخبراء لتغيير مناهج التعليم الديني في المدارس العامة فى مصر شاملا التفكير في إلغاء كتاب التربية الإسلامية واستبداله بما يسمي مادة الثقافة الدينية والتي يشترك في تلقى موادها الطلاب المسلمين وغير المسلمين فى ذات الوقت وذات الفصل الدراسى .

 

وفي هذا السياق نشرت جريدة الأسبوع المصرية المستقلة ملخصاً لتقرير أعدته مجموعة من الخبراء السياسيين الأمريكيين البارزين والذين يعرفون بأنهم “مجموعة الـ19″ وقد رفع هذا التقرير إلى وكالة الأمن القومي الأمريكي تحت عنوان ” الجوانب النفسية للإرهاب الإسلامي ” وقدم معدو الدراسة مجموعة من التوصيات

مضمون التقرير الأمريكي :

حثت الدراسة على المسارعة لإيجاد صيغة للتعاون اللصيق بين الدول العربية والاسلامية وأمريكا فيما يخص تطوير مناهج التعليم والإعلام وبناء شراكة فاعلة فى هذا الصدد وعزت الدراسة تفشى الصور السلبية عن أمريكا وإسرائيل الى مناهج التعليم المستندة كثيرا للقرآن و التي تحض على كراهية اليهود والعالم الغربي خاصة مما يهيئ الشباب للقيام بأعمال إرهابية ضد الغرب وانتقدت الدراسة على وجه الخصوص مفهوم الجهاد فى القرآن والذي يحرض المسلمين بزعم من أعدوها على الانتحاربهدف تدمير وإرهاب كل ما هو غير مسلم – على حد زعم التقرير -.

وتمضي الدراسة لتقول: إن أهداف الحملة الأمريكية الأمنية على الإرهاب يمكنها تهدئة موجة الارهاب الراهنة لمدة عشر سنوات الامر الذى لا يعدو كونه مسكِّن وقتي وليس علاجا ناجعا لكنها تقترح تغيير مناهج التعليم ومنذ المرحلة الابتدائية وبذلك يمكن ضمان نشوء أجيال ذات تفكير مختلف ونزوع ايجابى غير إرهابى تجاه الغرب وإسرائيل والاديان الاخرى .

 

وتشير الدراسة إلى أنه في كل دورة تعليمية من الاساس الى الجامعة تظهر أجيال موسومة بالتطرف العنيف فيما يشبه الدائرة الخبيثة، وكل جيل جديد يصبح أكثر تطرفا وعنفاً من الذي سبقه والسبب ـ فيما يزعم التقرير – وهو القرآن وتأويلاته لكن كيف يمكن مطالبة الحكومات حتى تلكم التابعة منها بتغيير القرآن؟ فلا يبقى الا خيار التقليل من وجوده فى المناهج التعليمية وفى الاعلام والعمل مع متعاونين محليين لتقديم تفسيرات وتأويلات مختلفة عن التأويلات السائدة التى تكرس التطرف العنيف والنجاح فى تحقيق هذين الهدفين سوف يساعد على تحقيق المطالب الأمريكية بنشر ثقافة جديدة معتدلة فى منطقة فائقة الاهمية للمصالح الامريكية. .

وتركز الدراسة أن مصر والسعودية لما لهما من التأثير على المحيط العربى والاسلامى، والاهتمام بالسودان مرجعة لتسارع ارتباط المناهج فيه بالرؤية الدينية ومخافة تأثير هذا الانموذج على رؤى الاسلاميين فى المنطقة . وتقترح الدراسة تغيير مضامين القرآن الكريم عن طريق :

– توجيه المراكز الدينية بالتركيز على الفروع المتعلقة بالعبادات والشعائرفحسب بحيث يظل الدين علاقة بين المرء وربه دون أن يتجاوز ذلك إلى أي دور فلسفى او معرفى يتصل بهوية الأمة أو مقاصدها أو مصالحها الحيوية.

– ضروة التدرج في مناهج التعليم الديني فى العالم العربي بحيث يبدأ التدريج من المرحلة الابتدائية بحيث تغير مادة التربية الدينية وتستبدل بمادة الثقافة الدينية التي تركز على فضائل الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام والتأكيد على دور كل الأديان في بناء الحضارة الإنسانية .

– تغيير موضوعات المطالعة والنصوص في مادة اللغة العربية بما يناهض الكراهية للآخرين والتركيز على ثقافة السلام

– ضروة تغيير مناهج التاريخ والتركيز على تاريخ العلم والثورات العلمية والعادات والتقاليد دون الحديث عن مراحل الاستعمار أو تقديم نماذج للمجاهدين على أنهم أبطال وشهداء – على حد زعم الدراسة – بل يجب ترسيخ إيجابيات الحضارة الغربية ودورها الرائد في التأثير على الشعوب العربية والإسلامية .

– تدريب المدرسين والرواد والمسئولين عن التعليم على هذه المفاهيم الجديدة حتى يمكن نقلها بشكل جيد للطلاب وذلك عن طريق استقدام هؤلاء المدرسين إلى أمريكا واوربا وتدريبهم على التأقلم مع هذه المفاهيم والأفكار الجديدة .

– جعل اللغة الدينية عقلانية تعتمد على التفكير وعدم الانقياد لتوجيهات شيوخ الدين التقليديين وتقول الدراسة: ” القوة التي اكتسبتها الجماعات الإسلامية في مصر والجزائر كان بسبب قوة الارتباط بالكتاب المقدس ( القرآن الكريم ) والسنة النبوية .

وتشير الدراسة لاهمية المرحلة الإعدادية لان التغييرات عند مستواها شديدة الأثر على نمو الشخصية ومن ثم فالتدخل فى هه المرحلة يصبح ضروريا من أجل إحداث التأثيرات المرغوبة ولمنع بلورة انسان يمكن ان يصير مشروعاً لإرهابي يهدد الحضارة الغربية. وذلك عن طريق تغيير مناهج التعليم التي تهدف نزع المفاهيم و السلوك العدواني عند الطالب وجعله متفهما لما يجب ان يكونه الانسان المتحضر..

واما المرحلة الثانوية فهي المرحلة التي سيبدأ كل أصحاب ديانة في دراسة دينهم بشكل مستقل وفي هذه المرحلة يجب أن تكون المفاهيم هي العبادات والقصص التاريخية وبث الفكر العقلاني وتصحيح بعض الأخطاء فى الدين الإسلامي خاصة الجانب العدواني فيه ( تقصد مفاهيم الجهاد والاستشهاد والقتال والولاء )

– وفي المرحلة الجامعية لا يكون هناك أي دراسة للدين ولكن تكون هناك برامج تعاون جامعية للتعارف على الطلاب في العالم الغربي ، ويجري التركيز في هذه المرحلة على تعظيم الأنموذج الأمريكي وحضارته الباهرة.

– الاعتماد على فكرة التأويل واستحداث لغة دينية جديدة في كل مبادئ وأساسيات الدين الاسلامي ، خاصة فيما يتصل بالتعامل مع العالم الغربي ، ويجب أن تكون هذه التأويلات إيجابية أي تتسق مع الفكر الأمريكي المعاصر ، وتؤكد الدراسة أن هذه الخطط يجب أن تكون شرطا ملزما لاقامة العلاقات ذات الافضلية مع الولايات المتحدة الأمريكية وتشجع الدرسة توقيع اتفاقيات ثنائية وجماعية مع الدول العربية في اطار مكافحة الإرهاب وعدم قبول الحجة التى تقول بعدم التدخل فى الشؤون الداخلية لبلدان ذات سيادة .

والمطلع على هذا التقرير وتقريرى مركز راند لعامى ٢۰۰٨ و٢۰١٤ يستطيع ان يفهم الاحاديث التى تدور عن تقليل قراءة القرآن وتطوير فهمه ليناسب الحداثة وكما يستطيع ان يصل بين النقاط فى الاحاديث عن وزارة الاوقاف وتحويلها الى وزارة اديان ترعى الثقافة والممارسة الدينية حتى ولو كانت وثنية فالرسالة هى ان كل الاديان متشابهة وان دورها المتكامل فى بناء الهوية دور مطلوب والخطوة التالية هى الغاء التربية الدينية المنفصلة لكل دين على حدة واستبدالها بمنهج للثقافة الدينية المشتركة التى تصلح لكل الاديان.مما لا شك فيه ان تجديد المفاهيم والتأويلات للمتحول الفروعى من تعاليم الاديان واحكامها امر تحض عليه الاديان نفسها تحت عنوان التجديد.لكن التجديد شىء وتزوير الاديان لتلائم مطلوبات دهرية لامم اجنبية شىء آخر وهو ما سوف تتكسر سهامه على حائط صد قوى عتيد.

التعليقات