رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2021/01/26

فيما أرى

 "ها نحن هنا كسهل تكتنفه الظلمة. تجتاحه أجراس مشوشة منذرة بكرٍ وفرٍ  حيث تشتبك جيوش جاهلة في الليل."

ماثيو آرنولد

1

 سيدي الإمام، أسرجت بعيرك ورحلت عن الفانية.. وحسناً فعلت.. نعم كان لابد أن ترحل، هـذا ليس زمانك ياسيدي، هـذا زمان لايشبهك و لا تشبهه.. لا شيء يدعوك لاحتماله.. إنك لكثير على هذا الزمان.

2

عشت يا سيدي الإمام زمانك.. ثمانية عقود وأكثر فعلت فيها كل شيء يمكن للمرء أن يفعله في حياة.. عمّرت بيت جدودك بالأعمال الصالحة، الأبناء الصالحين٬ تذوقت حلاوة الحكم المُرة، حاربت وصالحت وألّفت عشرات الكتب وألقيت الآلاف من المحاضرات٬ طفت العالم شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، تغرّبت في تهتدون وعدت في تُفلحون ومابعدها، كل ذلك كان جهاداً في سبيل الوطن.

كنت بحراً من التسامح  وطلاقة الأفكار، اخترت وقتك الصحيح للمغادرة والإقلاع للسماوات العلى راضياً مرضياً تاركاً زبد السياسية وجيف السياسيين تتصارع على جثة الوطن.

3

في زمان مضي كنت يا سيدي تنافس الترابي وتجادل عبد الخالق وتصارع محمد أحمد المحجوب ومبارك زروق وتحاور منصور خالد. الآن ياسيدي انظر حولك من هو المفكر والسياسي الذي يطاولك؟ الساحة ياسيدي فاضت بالهوام والغثاء الفكري الذين أشهروا كل أسلحتهم الصدئة لمهاجمتك والسخرية منك، أرادوا أن يجعلوك هزواً.

و"ما هز دوحك من قزم يطاوله

فلم تقصر ولم يطل".

كنت ترى كل ذلك وأنت تموت في كل لحظة، فالكورونا التي أصابتك أهون بألف مرة من الكرونات التى تصيبك بسمومها وهي تسعى برجليها في الساحة السياسية.

4

 التقيتُ الإمام لآخر مرة في القاهرة مع الصديقين المحبوب عبد السلام والحاج وراق، وأدرنا حواراً رائعاً في الثقافة والأدب والأفكار والسياسية، لاحظتُ أنه يقرأ آخر كتاب صدر حديثاً لداوود أوغلو عن السياسة الخارجية التركية (العمق الاستراتيجي) فقلت لأصدقائي مَن غير السيد الإمام من السياسيين يقرأ كتاباً هذه الأيام. نحن في زمان لا يقرأ فيه السياسيون إلا ترهات الواتساب،  أما إذا كتبوا سطراً  "فتدي ربك العجب"  إلا من رحم ربي. 

5

سيدي الإمام كان لابد أن ترحل الآن هذا ليس زمانك.. هذا زمان السقوط الثقافي، زمان القونات والراسطات والواقفات قنا.!!. هذا زمان العُقد النفسية المفضية للانتقام والتشفي والتشهير، زمان صلاح منّاع ووجدي صالح ومن شاكلهما، هذا زمان عشة الجبل لا عشة الفلاتية، بدرية السالمية لا زمان أم بلينا السنوسي،  هذا زمان "الداقين سيستم" و"الدافنين دقن"، هذا زمان سطع فيه نجم دسيس مان وتم تتويجه ملكاً للغناء والأهازيج، هذا زمان ترميز التافهين المعمدين في قمامات السوشيال ميديا. هذا زمان فيه ماما أميرة وما أدراك ما هي. هذا زمان من يعتاشون على البذاءة والشتيمة وهتك عروض الناس إعلامياً، وتُطرد، هذا زمان الذين حملتهم  السوشيال ميديا كالزبد إلى مسرح  السياسة في السودان. 

6

صدق الكاتب الإيطالي العظيم امبرتو إيكو حين قال (إن أدوات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يثرثرون في الحانات فقط، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً، أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل مَنْ يحملون جائزة نوبل. إنه غزو الحمقى). ألا ترى ياسيدنا أن الرائعين يغادرون سريعاً في هذه الأيام، في شهر واحد غادر عشرات المبدعين آخرهم حمد الريح، والساقية لسّا مدورة، وغادر قبله كمال عبد الوهاب وأمين زكي، أخلوا الساحة للعاطلين عن الموهبة، جميعهم غادروا إذ لا طاقة لهم لاحتمال هذا الغثاء. لا شيء ياسيدى يغريك بالبقاء، فباطن الأرض خيرٌ لك من ظاهرها هذا مؤكد. ماهو الشيء الذي ستفعله لو امتد بك العمر؟ بل ما هو الشيء الذي لم تفعله خلال الثمانين عاماً وبإمكانك أن تنجزه الآن؟ "انفقت عمرك للسودان تمنحه من فيض برك ما لا تمنح السحب."

المشكلة يا سيدي، ليس في رحيلك مزفوفاً إلى جنات الخلد بإذن الله، إنما فيمن تركت خلفك من شلة السياسيين العطالى من كل موهبة أو الخالين من أي فكرة، المأساة أنك تركت وطناً في مهب الريح قُبرت أحلام ثورته الثالثة، وضاعت ملامحه وأصبح يصارع ليبقى حياً موحداً  حراً مستقلاً وتلك الآن هي أقصى أمانيه وآماله.. أيها السودانيون تشبثوا بآمالكم فالإمام مات.

التعليقات