رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2021/05/07

في مقال سابق تناولت التحديات التي واجهت الشاب "نادر" البالغ من العمر أربعة وعشرين عاماً، والذي حالت التعقيدات القانونية والبيروقراطية دون حصوله على الجنسية السودانية. واضطراره للهروب إلى دولة مجاورة بعد معاناته الطويلة في سبيل استخراج أوراق ثبوتية تؤكد جنسيته، بسبب ظروف خروجه إلى الدنيا من بطن أمه التي حبلت به خارج إطار الزوجية. 

معضلة إثبات الشخصية تتجلى مظاهرها في صور كثيرة، ولا يشترط في حالات كثيرة أن يكون ضحيتها مرَّ بنفس ظروف "نادر" ومعاناته التي أوردناها بتفاصيلها، بل يمكن أن تطال حتى أشخاص معترف بهم وولدوا في ظروف طبيعية جداً وداخل إطار الزوجية.

هذا ما حدث مع العروس آمال التي ولدت لأسرة سودانية وعاشت في منطقة ريفية نائية في أطراف السودان، وكثيراًما لا تهتم الأسر في مثل تلك المناطق باستخراج الأوراق الثبوتية إلا عند الضرورة القصوى، فكل المسائل الحياتية تمضي بحسب العرف السائد ومعرفة أفراد هذه المجتمعات ببعضهم البعض. لم تضطر آمال إلى إستخراج شهادة ميلادها إلا عندما كانت ضرورة لدخولها المدرسة التي غادرتها بعد عدد من السنوات دون أن تفكر في أكمال المرحلة الأولى منها، ولا اهتمت أسرتها بالأمر كثيراً. وربما كانت من المحظوظات اللائي استطعن فك الخط وتعلم الحساب من بين كثيرات لم يسعفهن حظهن بتحقيق ذلك. ولأنها لم تكمل مراحلها الدراسية لم تكن مطالبة باستخراج شهادة الجنسية ولا الرقم الوطني ولا إثبات شخصية، فهي لا تحتاجها في حياتها الاعتيادية.

كبرت آمال قليلاً إلى أن صارت فتاة في سن الزواج، وقد كان أن اختار لها أهلها زوجاً من بينهم، وعادة ما تتم مراسم الزواج في تلك المناطق وفقاً للإجراءات التقليدية بموافقة الأسر وحضور أولياء عن العروسين. ووفقاً للإجراءات المتبعة حديثاً لابد من إجراءات إثبات الشخصية وعادة ما يتجاوزها المأذون الذي يباشر إجراءات مراسم عقد الزواج بنفسه، وهو بالتأكيد يعرف كل الأطراف إن لم يكن هو واحد من العائلة.

ابتهجت آمال بإكمال مراسم الزواج، وكانت حلم طوال فترة استعداداتها لهذا اليوم بأن يأخذها زوجها إلى إحد فنادق المدينة القريبة وتقضي أياماً من شهر العسل وهي تتجول في طرقاتها وتغشى المنتزهات التي لطالما حلمت بارتيادها وهي طفلة. إنتهت مراسم الزواج وزفة العروسين واستقل العريس عربة أحد أصدقائه هارباً بعروسه إلى المدينة تحفهما السعادة بقضاء أيام استثنائية قبل أن يعودا إلى دوامة الحياة اليومية وتفاصيل روتينها العادي. 

اختار لهما الصديق فندقاً وسط المدينة ليقضيا فيه أياماً سعيدة، ووعد بأن يضع لهما برنامجاً حافلاً في الأيام القادمة، وقبل أن يغادرهما قرر أن يباشر بنفسه إجراءات تسجيلهما في الفندق، وحسناً فعل. فبعد أن طالبهما موظف الاستقبال بعقد الزواج كإجراء طبيعي، طالبهما ببطاقة هوية أو إثبات شخصية، وهو ما لم يكن في الحسبان بالنسبة للعروس آمال، وبعد أن اخرج الزوج بطاقته طلب منها بطاقتها أو مايثبت هويتها ليكتشف الجميع أنها بلا هوية اثبات شخصية تؤكد أن إسمها الوارد في شهادة عقد الزواج هو نفسه إسمها. وواجه العروسان وصديقهما معضلة كبيرة أمام إصرار موظف الاستقبال بعدم السمح لهما بالإقامة ما لم يتحصل على وثيقة إثبات شخصية للزوجة، رغم تفهمه لوضعهما وما يراه بأم عينيه من ملامح تدل على أنهما زوجان حديثان.

لم يكن أمام الجميع سوى الخروج من الفندق والذهاب لإحدى الأسر من الأقارب لقضاء الليلة الأولى معها. ولم تتحقق أول أحلام آمال بقضاء أول ليلة لها مع زوجها في مكان خاص.

التعليقات