رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/01/26

هناك فرق 

"الوعود السیاسیة في قطارات الثورات ھي أمتعة ركاب في غایة الخفة، ویسھل جداً الإلقاء بھا من النوافذ عند محطات الوصول، لذا تبقى أقصر الطرق لمعرفة استحقاق الغیر لثقتنا ھي أن نعطیه إیاھا فینجح ونرتاح معاً، أو یفشل فیُریح 

ویستریح" .. الكاتبة ..!

 

بعض الذین ینشدون العیش في عالم مثالي، وتحت ظل سلطة مثالیة، وبین ظھراني مجتمع 

مثالي، یصورون بیئة التعامل الاجتماعي والعمل العام في السودان قبل مجيء حكومة الإنقاذ وكأنھا كانت مدینة فاضلة. وھذا لیس صحیحاً، لیس لأن فترة حكم الإنقاذ لم تكن كارثیةً وسوداویةً بما یكفي، ولكن لأن ھنالك دوماً مساحة رمادیة في سلوك الشعوب والحكومات على إطلاقھا - وھي مساحة ضاجة بالنجاحات والتعقیدات، وھي حافلة أیضاً بالنبل، والخسة، والفشل، والوفاء، والتناقض.. إلخ.. وعلیھ فلا یمكن اختزال المواقف والأحداث - وبالتالي 

إطلاق الأحكام - في خیرٍ صرف أو شرٍّ محض ..! 

وقد لاحظت أن ھذا النوع من الإیغال في الشجب والتندید بأفعال ومواقف، وأھداف ومآرب، وعلل وإشكالات، ومزالق ومھالك عھد الإنقاذ، الذي مات وشبع موتاً - والذي یكاد یقف أحیانا على تخوم الھجس والھوس- یكثر عند المغتربین والمھاجرین. لقلة مواكبتھم للراھن الاجتماعي والسیاسي عن كثب ربما، أو لكثرة عاطفتھم الوطنیة الجیاشة. بینما ما یعیشه من یتمسكون ببعض الموضوعیة من خوف على أداء حكومة ما بعد الثورة، وقلق من بعض معالجاتھا، ھي حال لا یمكن تفكیك أسبابھا بعیداً عن أزمة النخب السیاسیة القدیمة المتجددة، وتاریخ إشكالات الممارسة الدیمقراطیة للحكومات السودانیة – على تعاقبھا واختلافھا – والھزائم النكراء التي حاقت بالحریة والسلام والعدالة، داخل معظم المؤسسات الحزبیة السودانیة نفسھا..!

لعلھا "عقدة استوكھولم" ھي التي تجعل بعض اللا منتمین سیاسیاً - من أمثالنا - لا یكتفون بأن یُحمِّلوا حكومة الإنقاذ وزر كل شيء. لعلھا لعنة الخوف من عودة التھمیش والإقصاء والاستبداد بالرأي والانفراد بالقرار – في ثوبٍ سیاسيٍ قشیب. لعلھا، ولعلھا.. إلخ .. لست أدري بالضبط، لكن الذي أدریه ھو أن إشكالیة الحكم الرشید في ھذا السودان تبدأ من عیوب النشأة واضطرابات التشكیل، وانعدام المراجعات الفكریة للتجارب. والنتیجة ھي عجز من تكون في یده السلطة دوماً – في ھذا السودان - عن احتواء الكثیر من القواعد الواعدة المستنیرة المؤمنة بالتغییر.

حتى بات الوجه الآخر لفشل الإنقاذ نفسھا ھو تقاعس بعض مكونات حكومة ما بعد الثورة عن أن تنھض بمعالجات وطنیة خلاقة، تقترب بمواقفھا ووقفاتھا من أوجاع ھذا الشعب، بتطلعاته الحقة، وأولویاته الحقیقیة ..!

وھكذا!. بین الفضفضة العاطفیة من أصقاع الھجرة وعبر فضاءات الأسافیر، والفضفضة المبذولة للاستھلاك المحلي كما یفعل بعض القاعدین ھنا - أي كما أفعل الآن في ھذا المقال - 

تتشظى الإجابة الكبرى على السؤال الأكبر "إلى متى تتخبط النخب السودانیة في تفعیل ما تؤمن به وتدعونا إلیه، ثم إلى من تسلم قیادھا، وإلى أین تقودنا نحن" ..؟!

المثل السوداني یقول "تابَاھا مَملَّحة، تَكوسھا یابسَة". والحقیقة أن الدعوة إلى التأمل في رحابة وجوه الاحتمال، واتساع المسافة الفاصلة بین مُنتھى "السِّیولة" ومُنتھى "الیَباس"، ھي مربط فرس ھذا المقال. فھل – یا ترى من مُذَّكِر ..؟!

 

[email protected]

التعليقات