رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/01/26

 

 

د. صلاح دعاك 

 

لا يأتي الغرب بفكرة او نظرية سياسية او اي نوع من انواع الاختراع حتى على مستوى الاختراعات الصغيرة او الافكار السياسية العليا  اذا لم يضمن طريقة التحكم والسيطرة على تلك الفكرة  عندما تنتشر .

 

فكرة الدولة  الحديثة والحدود السياسية اتى بها الغرب لتخدم اغراضه الذاتية والسياسية و الاقتصادية. كثير من الدول وجدت حدودها مرسومة او فصل جزء منها لتكوين دولة اخرى  من العدم  لتخدم غرضا سياسيا لدول الغرب و الاستعمار الحديث .

 

اتى الغرب في غفلة من الزمن بفكرة استعباد الشعوب وبيع البشر  ليخدموهم كعبيد بشكل مباشر, استعملت  فيه كل انواع التحكم الممكنة والتعذيب تحت ضرب السياط ومطاردة الكلاب . الكتاب الشهير الجذور "رووتس" للكاتب الكس هلكس يعطي فكرة مفصلة واكثر وضوحا كيف اضطهد الغرب الانسانية واستعبد البشرية بصورة منظمة وممنهجة محمية بالقوانين التي سنوها لحماية انفسهم . انتهت فترة العبودية تحت ضغط وانتفاضة الرقيق وكان لاستنارة الانسان التدريجية ووعيه بحقوقه اكبر الاثر لينتفض ضد الذل و العبودية فاصبحت فكرة الرق واستعباد البشر بطريقة مباشرة غير مجدية , وبدات تاتي بنتائج عكسية قد يتضرر منها الانسان الابيض . وخاصة انه بدا عدد الرق يزداد في دولهم وهم اناس اقوياء اشداء قادرين على الثورة بعنف في ذلك الوقت, فكانت ثورة السود في امريكيا ... ولا يخفى الدور الذي قام به مارتن لوثر كنج لينهي هذا النوع من الاستعباد للبشرية . 

 

بعد نهاية فترة الرق كان على الدول الغربية المستعمرة ان تبحث عن طريقة اكثر حداثة ... فبدلا من ان ياخذوا السود في سفن كبيرة ويرسلوهم الى اوروبا وامريكيا ليعملوا بعيدا عن اهلهم واراضيهم ... اتوا بفكرة الاستعمار : وهي ان تاتي الدول المستعمرة بجيوشها وتفرض السيطرة على هؤلاء  البشر في بلدانهم وفي ذلك فرصة اخرى, فبدلا من ان تاخذ الانسان وحده ليعمل تكون فرصة لاخذ كل شيء في ذلك البلد ( الانسان , الموارد , الارض , واشياء اخرى ) فكان الاستعمار المباشر للشعوب تحت السيطرة العسكرية  ... ولكي يحمي المستعمر نفسه وضع كل القوانين التي تحميه والمبررات اللازمة لذلك . فكان اتفاق الدول المستعمرة ضد الدول المستضعفة وقسمت الدول بينهم فكان ما يسمى عهد الاستعمار ... وبعد ما فعل المستعمر ما فعل وسلب ونهب الشعوب انتفضت الشعوب مرة ثانية ضد الاستعمار وازداد وعيها اكثر بحقوقها فما كان من المستعمر الا الانسحاب ولكن بعد ما وضع له ما يؤمن سلامته الاقتصادية والسياسية .

 

 فاتى المستعمر بفكرة الدولة الحديثة واعطيت الدول استقلالها الظاهري ولكن وضع تحت الطاولة كل ما يجعل تلك الدول تحت السيطرة المستمرة فكان الاسترقاق من الباطن, فسنت القوانين  التي تؤمن وجوده السياسي ونفوذه والسيطرة من بعد "ريموت كنترول "  ومرة اخرى تكرر نفس السيناريو فانكشف الغطاء فبدات الدول تتحرر من كل القيود المباشرة وغير المباشرة والتي تحت الطاولة . فاتت بوادر تحرر الدول, وربما فقدت الدول المستعمرة السيطرة الى الابد على تلك الدول التي اعتمد المستعمرعليها لفترات طويلة في مواردها وثرواتها . 

 

فكان لا بد للدول المستعمرة ان تبحث عن طرق اخرى اكثر حداثة تستعبض بها عن التحكم عبر الاستعمار المباشر  ... فاتوا بآخر موضه مبتكرة حديثا وهي استقلال المؤسسات الدولية  لتواصل سيطرتها على الدول المستضعفة (  الصناديق المانحه و المؤسسات  الحقوقيه  و السيطره عبر الديون المقدمه من الدول الكبرى  و  ما شابهها ) ... فهذا يعتبر نوعا من الاستعمار الجديد ولكن ( بطريقة ناعمة ) . فالقوى العالمية تعمل وفق استراتيجية ترسم خططها لسنوات وبالنفس الطويل لتنفذ مخططها ... فالغرب يتجنب مبدأ المواجهة مالم تكن هناك ضروره ملحه  و  يواصل مشواره بصمت اذا لم يعترض طريقه . 

 

الدول المستعمره  تبدأ الفكرة وتروج لها لترى ردود الفعل تجاه الفكرة او المخطط ويروج عبر مجموعات الضغط التي تكون هي نفسها مضللة او لا تملك الحقائق الكافية او  لا تريد ان تعرف الحقيقة الكامله , او تعرف الحقيقة وتنكرها احيانا كثيرة وكذلك تدخل اللوبيهات العالميه  لتؤثر  في تلك المجموعات لتقبل بمخططها  , فاللوبي  يعرف الاشياء التي يثير بها تلك المجموعات بحقائق غير كامله و غير موثقه،،،، 

 

ما نراه من المؤسسات  الدولية اليوم هو مثال للتطور التدريجي في العلاقات الدولية التي تروج للفكرة حتى يصدقها ويتقبلها الشارع السياسي لتكون اداة لسيطرة الغرب على موارد الشعوب وحرياتها . الغرب بدأ يروج الى فكرة تراجع  عصر سيادة الدول وتلاشي فكرة الدولة القومية ... يحاول ان يجد  المبررات للتدخل المباشر في قرارات الدول وسيادتها وسلب ارادتها وتحويل الدول الى دويلات صغيرة مسلوبة الارادة تتبع قراراتها العليا الى دولة واحدة او قطب واحد  فكانما العالم تحكمه دولة واحدة وبقية رؤساء العالم حكاما في دويلات مسلوبة الارادة تنفذ امر الحاكم الاكبر .. 

مبدأ العدالة و حقوق الانسان هو من المبادىء السامية التي يجب ان ترعاها الدولة بنفسها عبر دستورها وبرلمانها ورئيسها مستصحبة اعرافها ودينها وثقافتها. القارىء لسياسات الامن القومي الامريكي وتعريفاته .... نجده يعطي نفسه الحق في التدخل في شؤون الدول الاخرى بحجة ان ما يدور في دولة اخرى او عدم الاستقرار في دولة تبعد آلاف الاميال يهدد الامن الداخلي للولايات المتحدة ... فهو رابط  قد لا يبرره المنطق المباشر فلذلك انتعاش دولة فقيرة اقتصاديا قد يهدد الامن القومي الامريكي , اذا كانت امريكيا  غير راضية تماما عن هذه الدولة . 

 

السودان الآن يعتبر مهددا للامن القومي الأمريكي حسب ما أعلنه البيت الأبيض في اليومين السابقين فكان إعلانا محبطا و مفاجئا للزول السوداني  البسيط  الذي يترقب انفراحا و كذلك  مفاجئا للسياسيين و المراقبين  ،،  ، إذا كان التهديد تمثله الحكومه السابقه فهي غير موجوده  الان   و من هم  على   سدة الحكم  الان  عرفوا  بعلاقاتهم الممتده مع الغرب و وعدونا بذلك  فأين اسباب التهديد اذا ،، الا اذا كان السودان يهدد أمريكا بموارده  و مخزونه الكبير من المواد الخام الغير محدوده, لو كانت ذراعيه او ثروه مائيه, او الثروه الحيوانيه و المعدنيه ( المعادن بمختلف انواعها , اليورانيوم و الذهب في مقدمتها) و كذلك الاراضي الشاسعه الممتده و الانهار الموسميه و الانهار الروافد و المتفرعه , و رغم ان النيل ينبع من بحيرتي تانا و فيكتوريا الا ان الامطار الموسميه في السودان و ما يصب في النيل من وديان و روافد  يجعل السودان دولة منبع لوحدها و هذه ميزات لا يمكن تجاهلها و الاخطر في كل هذه الثروات هو انسان السودان الثائر المنفتح علي العالم و تطلعاته خارج الحدود و التاثير علي محيطه ... لان امريكا حتى  تسيطر على القرار العالمي تتبع سياسة العصا الغليظة من جهة وكذلك مبدأ الجزرة والحلوي من الجهة الاخرى . فلكي تكون الجزرة مفيدة يجب ان تبقى الدول الفقيرة فقيرة حتى  تكون محتاجة دوما الى العون الامريكي . فكما تخشى أمريكا  على قوتها العسكرية فهي حريصة دوما ان لاتفقد الجزرة بريقها . الجزرة الامريكية تقدم لكثير من الدول على شكل قمح ... وهو الذي يجعل كثيرا من الدول لا تحيد عن الخط الامريكي والا انقطع عنها المدد. 

 

احدى مشاكل أمريكا  مع السودان انه قد يجعل الجزرة الامريكية ( القمح ) غير مجد لجذب تلك الدول والتحكم في قراراتها  ،،،، اذا قدر للسودان عبر سياسه اقتصاديه رشيده تضع الذراعه  نصب اعينها و انتج ما يكفيه من القمح و و ما يكفي جيرانه  جيرانه أيضا ،،  و اذا  قدر للسودان ان يكتفي ذاتيا وهو متمرد اصلا وشق عصا الطاعة على الهيمنة الامريكية في اكثر من حقبه , منذ المهدية التي انفجرت  ودخلت اثيوبيا و مصر و ارسلت دعوتها الي ليبيا و كل دول الشمال الافريقي و ما قتل هكس و غردون ببعيد من ذاكرة الغرب  و كذلك في عهد الفريق عبود و زيارته الشهيره  الي امريكا اللتي اعد لها جون كنيدي العده ليدعم السودان و يعرف عن السودان  اكثر و اكثر في وقت كانت الحرب البارده في بدايتها و الاستقطاب حاد بين المعسكر الشرقي و الغربي , فكان الرد من الفريق عبود باردا  في اجتماعه الشهير ان السودان لا يريد منكم شيئا بل اتينا لنتعرف عليكم و اذا انتم محتاجون الي مساعده فنحن جاهزون,,, هذه الرساله جعلت الكاوبوي الامريكي يلتفت بحذر ليعرف  ما وراء هؤلاء القوم فلا يأتي الرد بهذه الطريقه و الثقه الا من بلد يعرف قدره تماما، و في وقت كان العالم كله يتجه الي أمريكا ليطلب المساعدات و يستجدي ودها ،،،،، و اخيرا ما فعلته الانقاذ من تحذير و عداء لكل القوي الغربيه بدون فرز في اهازيجها  ( امريكا روسيا قد دنى  عذابها) مما جعل السفير الروسي في إحدى المهرجانات التي  دعي لها و هو حاضر  يسمع التهديد  و الوعيد  الي أمريكا و روسيا معا،، فقال السفير ما زحا  ( Both of them) في اشاره اذا عاديتم فعادوا  أحدهما  مافي داعي للاثنين معا،،، . فهذا كله  اوحي و أشار  الي الدول الغربيه    انه  اذا وصل خير السودان وانتاجه الذراعي  ليفيض على جيرانه من الدول التي تعتمد على القمح الامريكي مباشرة فهذا سيضعف القبضة الامريكية على تلك الدول وحينها ستجد امريكيا صعوبة لتمرير اجندتها وقراراتها في المنطقة . حيث انه كثير من الدول كانت تنتج القمح الذي يكفيها ويفيض وكانت مكتفية ذاتيا بما ينتجه المذارع  الفقير بتلك الدول وعندها مدت امريكيا القمح لتلك الدول واغدقت العطاء عليهم من القمح بتكاليف اقل مما ينتجه المذارع  المحلي الفقير ان لم يكن مجانا . وحينها عزف المذارع الفقير عن انتاج القمح ولجأ الى محاصيل اكثر فائدة تدر له نفعا واحيانا للاعمال الهامشية التي لا تسمن ولا تغني من جوع  ونسي مذرعته  و الذراعة .  و بعد ان اطمأنت الدول الكبرى  ان مذارعي  تلك الدول قد صرف النظر عن ذراعة  القمح وربما نسيها امسكت على نفسها وبدأ التحكم في تلك الدول وقراراتها  و اشياء اخرى .

 

  الدول الكبرى لا تريد ان تفقد هذه الجزرة التي احيانا كثيرة قد تكون اجدى واقل تكلفة من العصا الغليظة فاذا قدر للسودان الاستقرار وانتاج القمح و كثير من الثروات  التي تكفيه  وتكفي   الدول المجاورة عندها يكون السودان مهددا حقيقيا للامن القومي الأمريكي حسب زعمهم  كما ذكر مندوبهم  .فالنعلم ان الطريق شائك و وعر و يحتاج منا الى  حنكه سياسيه لنقنع الغرب بعدم جدوى هذه الهواجس التي كونها عن السودان عبر العصور و  لكي تبني الثقه بصوره  يمكن أن  تسمح ببناء شراكه حقيقيه و ليس علاقات تكتيكيه ااانيه عابره لا تؤسس  للعلاقات دبلماسيه مستدامه و تهدر الجهود الدبلماسيه لكل الأطراف،  و أيضا تحتاج لجهد مضاعف الإقناع الجانب الأمريكي بعدم السماع الي بعض دول الجوار اللتي وطنت نفسها بأن تعيش على استثمارات السودان بالوكاله و التجاره بكل ثروات السودان دون أن يستفيد السودان من هذه التجارة شئ لان ريعها و عملتها الصعبه تذهب لتلك الدول،،، فهذه العلاقه الاقتصاديه المعطوبه مع جيران السودان المستفيدين من ثرواته ستسبب في تمديد الحظر لسنوات مالم يجدوا لها حلا و هذه الدول تقتنع بأن ان الأوان للسودان ان يستفيد من خيراته،،  المستفيدون  من  هذا الاقتصاد الخرب في السودان هم  جيرانه  و استقرار السودان  الاقتصادي  أصبح مهدد اقتصادي و أمني لهم، فلكي يرفع اسم السودان من الإرهاب علينا أن نعالج هذا الأمر مع دول الجوار،،،

و رساله اخيره اختم بها،، ان الحظر الاقتصادي لن يرفع اذا اعتمدنا على استجداء أمريكا و جيراننا من الدول الصديقه،، الحظر الاقتصادي سيرفع اذا اعتمدنا على أنفسنا و بعدنا عن التكتلات و الاستقطاب السياسي الضار  و ركزنا على تفعيل كل  موارد السودان الذراعيه  و الحيوانيه و المعدنيه و تفعيل طاقات الشباب  و بزيادة الإنتاج حينها  سنجبر هذه الدول لرفع  الحظر و  للتعامل بنديه  مع السودان ،،  ان تذهب للتفاوض و انت تملك قوت يومك  افضل بالف مره من أن تذهب للتفاوض و انت معدم فقير تستجدي الآخرين،، فالعالم الان  لا يحترم  الا  الأقوياء،،

التعليقات