رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/01/26

 

تواصلت معي امرأه لا أعرفها على الواتس اب من السودان لتخبرني ان اختها  أصيبت بورم في ثديها الأيمن و طلبت رقم تلفوني الخاص، فلم اتردد و أرسلته لها،، بعد برهة  ليست بالطويله اتصلت على التلفون و تحدثت بنبره اقرب ما تكون الي البكاء او ربما تهيأ لي كذلك,, و شرحت لي تفاصيل الموضوع و ان اختها  اخذت عينه و كانت العينه ايجابيه،، اي مصابه بالسرطان في مراحله الاخيره، و كيف انهم عانوا حتي يجدوا المكان المناسب لاخذ العينه , و كيف ان اختها عانت و تغير لون ثدي اختها للون اخضر غامق يميل الي البنفسجي من اثر الطعنات المتكرره لاخذ العينه الصحيه او ما يكفي من العينه ,, و كيف ان اختهم انهارت و معها امها عندما عرفا ان العينه ايجابيه , وكلام كلام كثير يدل ان المتحدثة هي ايصا في صدمة من هول ما عرفت من مرض اختها و يدل ايصا انهم عاجزون من هول من بشروا به في مواجهة هذا الضيف الثقيل و مجمل كلامها كان ينم عن عجزهم  التام في التعامل هذا المرص و ان ظروفهم الماديه لا تسمح لهم بتحمل نفقات العلاج  و مسيرة العلاج الطويله.

فاستمعت إليها و لم أقامتها بعدها  ،، واسيتها و اخبرتها  اني خارج السودان  ، و انا الان  في مهمة اخري و اعمل بوزارة الصحه السعوديه.

فصمتت المرأة لبرهة كأنها شعرت انها اتصلت على شخص   اصبح همه شئ اخر غير  مكافحة السرطان او كانها اتصلت علي شخص بعيد في بلد يبعدها الاف الكيلومترات قد لا  يفيدها كثيرا في محنتها اللتي تحتاج لحل و تدخل عاجل للتخفيف من هول الصدمة عليهم ,, رغم اني وعدتها بالاتصال ببعض الاخوه الأطباء في السودان ليقدموا لها المساعده الممكنه.

 بعد ان  استمعت هذه الأخت الفاضله المنكوبه  لحديثي ,, صمتت لفتره حسبت ان الاتصال التلفوني انقطع بيننا او ان  الشبكه اختفت،,, فرجع صوتها من جديد  متحدثة مرة  أخرى و قالت لي كلمات ترددت في أذني كانها  رجع  صدي من جبال عاليه ، اشعرتني بحجم المصيبه اللتي تركناها نحن الاطباء خلفنا  في السودان،، واشعرتني  بقيمة العمل و الجهد  الذي يبذله زملاء لنا و  أخوة لنا في محاربة السرطان في السودان.

قالت لي هذه المرأة  بلهجتها الدارجه و بنبره فيها من التانيب و الرجاء مافيها   ؛ (هسي انت لو قعت في السودان  و حاربت لينا  سرطان الثدي  ده بين النسوان الغلابه ديل ما كان اولي)،،، ،،،،،، و بعدها استدركت و قالت "انت ما برضو عندكم التزاماتكم و مع الظروف دي" حسب قولها.

حقيقة لم أستطع ان اتماسك أمام هذه الكلمات الصادقه و شعرت بحجم المسؤليه الأخلاقيه اللتي يتحملها كل طبيب منا يسافر الي بلاد أخرى  و هناك في السودان أناس يعانون  و أهلنا يعانون ،، فطمأنتها  اننا من اي بقعة في العالم سنكون جنود لمحاربة هذا المرض و عهدنا لمكافحة هذا المرض هي رساله سنعمل من أجلها ما حبينا خدمة لأنفسنا و لأهلنا الضعفاء في كل بقاع وطننا الحبيب. 

كلمات هذه المرأه  أثارت كوامن الاحساس في  و ما عانته والدتي من هذا المرض العجيب و الكئيب و صراعها  معه فقصدنا العلاج بمستشفيات الهند لعدم توفر معينات العلاج لحالتها و تشخيصها في السودان  ،، و في ذاكرتي أيضا  ان الوالد  توفي بسرطان البروستات الذي اكتشف متأخرا و كان ذلك في وقت لم يكن هناك  اقل مقومات علاج هذا الداء فظفر بدعوة خاصة للعلاج بمستشفيات المملكه العربيه السعوديه في ذلك الوقت،، ،،، و اختي الكبرى اللتي أيضا عانت من ويلات هذا المرض  الحمدلله  انها اكتشفته مبكرا و واصلت علاجها بمستشفيات مصر،، ، نسأل الله أن يتم عافيتها ،،،  فهذا المرض هاجمنا في عقر دارنا فأصبح لنا معه  ثأرا خاصا، بالاضافة إلى العمل المهني و التخصصي في محاربت الأمراض  و  الالتزام الأخلاقي الذي يجعلنا   نواصل محاربت هذا المرض و نقف مع كل السياسات اللتي تدعم محاربته و علاجه.

فنسأل الله في خضم ما يمر به السودان من منعطفات سياسية و اقتصاديه ان يهتم ولاة الأمر بهذا القطاع و هذه الشريحه و يقدموا لها الدعم اللازم ،، لاسيما و ان مرض السرطان يحتاج لامكانيات مهوله في مرحلة التشخيص و  العلاج الجراحي و الكيماوي و الإشعاعي و ما يصاحبه من سفر بين المدن و الدول احيانا فيه    تعطيل لعمل الأسرة كلها،، فهو من الأمراض المفقره و المهلكه اقتصاديا للاسرة  و تحتاج لدعم الدولة و المجتمع.

هناك اخوه الان يعملون في السودان بذلوا  انفسهم لهذا العمل النبيل  من الأطباء و الناشطين و العاملين بالمنظمات الوطنيه و العالميه هم  يعملون بجهد و اجتهاد لا يريدون جزاء و لا شكورا فقط يحتاجون للدعم الذي يعينهم  لمواصلة المسيرة و الرساله،،  و الدعم ليس بالضروره مادي ,, العطاء متنوع و عمل الخير قد يأتي بالمشاركه بالفكره , بتبادل الخبرات و من  تبرع بجهاز مهما صغر، من جلب المنظمات العالميه و الجامعات العالميه فقد شارك مشاركة عظيمه و  رفع الوعي عبر الندوات و الورش العلميه فقد شارك  ,, و من  ساهم في اعتماد  السياسات اللتي تمنع انتشار المرض فقد شارك،، فهناك مراكر تحتاج لدعم لمواصلة العمل و مستشفيات الان  تتهاوي في المركز و الولايات لو لم تجد الدعم اللازم لمواصلة مسيرتها لتوقفت ،، فاوجه  الدعم متنوعه و مختلفه كل حسب خبرته و عطائه.

الأفضل لنا جميعا أن تكون هناك مراكز و مستشفيات متخصصه مؤهله  لتقديم الخدمه بارقي مستويات الطب و الأطباء، ، نحتاج لوضع سياسات لوقف كل ما يهدد سلامة المواطن و التقصي من كل المعلومات  اللتي تتحدث عن وجود نفايات و مصادر الإشعاع في مناطق مختلفه من البلاد ،، نحتاج لوضع سياسات لوقف استعمال الزئبق في التعدين الاهلي للذهب في السودان ،، و نحتاج إلى  سياسات تؤكد  على  استيراد مبيدات ذات سلامه عاليه و فعاليه، و كذلك دعم المواصفات و المقاييس لتضبط  كل ما هو داخل من مواد غذائيه و مستهلكات غير مطابق للنعايير او مشكوك فيه ،، ،نحتاج نفعل سياسات للتبغ تحمي المدخنين من كيد أنفسهم و  غير المدخنين أثر المدخنين من حولهم ،،، و كذلك  محاربت كل المواد و السلع الزراعيه اللتي تأتي من دول عرفت بعدم استعمال المياة النظيفه  و استعمال مياة الصرف الصحي  في ري منتوجاتهم الزراعيه و ان نرفض هذه المنتجات مهما كان الثمن و لانقبل المزايدات السياسه في هذا الأمر.

و انا  اختم و قول لاختي اللتي اتصلت بأننا نشعر بما تشعرين به، و نحن سنواصل مع إخوتنا في الخارج و الداخل ندعم النظام الصحي في بلادنا و نحارب الأمراض تخفيفا و دعما لأهلنا المحتاجين في بلادنا   و هذه رسالتنا في الحياة و عهدنا الذي نعيش و نموت من أجله.

التعليقات