رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/01/26

أقاصي الدنيا

على مدى الأشهر الفائتة ظلت الصحيفة تنشر أعمدتي من الأرشيف بسبب الظروف الصحية التي مررت بها، فقد توقف قلبي عن النبض حتى هبط لمعدل الصفر؛ لكن عناية الله أدركتني حين تهيأ جسدي لقبول مغادرة روحه للفضاء الأعلى. رأيت الموت بعين مغمضة. كان لونه أبيض كما قال محمود درويش.

وظللت لثلاثة أشهر في حالة سكون بعد أن أجريت لي عملية تركيب جهاز تأهيل القلب وهو عبارة عن بطارية كهربائية موصولة بسلكين للأذينين الأيمن والأيسر. ولخص لي الطبيب الكندي ذو الاصول الهندية بأن الأمر هو انقطاع الكهرباء عن قلبي وأن ما تم تركيبه هو عبارة عن مولد كهربائي لتوفير الطاقة اللازمة لري مشروعات جسدي. وها أنا منذ أشهر أدير شأني الجسدي بالطاقة البديلة ولله رب العالمين الحمد.

استفقت بعد ذلك على القنوات والوسائط تنقل ما يحدث في السودان فظللت مشدودا للحدث انشداد الأوتار على الضلوع. انتبه للشاشات حينا وللوسائط أحيانا وأتصل بصحفيين وسياسيين.

وأبذل أقصى الطاقة للتأمل والتفكير والتفطن فخرجت بجملة من الملاحظات أهمها أن المدافعين عن الإنقاذ هذه المرة هم الحلفاء وليس الأصلاء، فكلمة حاتم السر بكل ما أعرفه عنه من التكتم والتحفظ والتاريخ الطويل من المعارضة بينت لي أن الأمور لا تجري على خطوط الوسائط والقنوات، وكذلك موقف أبو قردة والسيسي وجبهة الشرق ودبجو. لاحظت أن أشد مناصري الإنقاذ في هذه الانعطافة الحادة هم من عارضوها وقاتلوها بالموقف والرصاصة. ولفت نظري ما جاء في مجلة (فورن بولسي) وهي الذراع الإعلامية لمؤسسات صنع القرار الأمريكي بأن ما يحدث في السودان من شأنه التأثير السالب على السلام الوليد في جنوب السودان.

كان المأمول أن تتماهى المؤسسات الأمريكية مع أول هتاف في عطبرة، وتؤجج الكونغرس وتستعيد نغمات رايس وتنقر الطبل كما نقرته أولبرايت في نيروبي، لكن ما قرأته من الفورن بولسي أوحى لي بغير ذلك.

ولفت نظري أيضا الموقف المصري الحنون تجاه الحكومة وتأكيدات سامح شكري بأن مصر تقف لجانب السودان وتحرص على استقراره، في حين أن كل قنوات الإخوان المسلمين المصريين تقف مناصرة للمظاهرات.

ولفت نظري أيضا أن الصين ضمن قائمة الدول التي خصتها الحكومة بالشكر. الحكومة الرسالية التي جعلت من الإسلام مرجعبتها ومنطلقها وغاية شجنها الهتون تتوجه بالشكر لدولة قامت أعمدتها على مرجعية لا علاقة لها بكل الأديان السماوية لوقفتها في أحلك ظرف تمر به على مدى العقود الثلاثة!!

هذا على مستوى الكيانات والدول، أما على مستوى الأفراد فقد شدتني المغنية تاجوج في تسجيل مرئي بكامل خصل شعرها وحرية عنقها المتعارض جذريا مع أخوات نسيبة في الهيئة والكلمات مؤكدة وقوفها مع الإنقاذ ومقرة بأبوة الرئيس، داعية للتهدئة ومبشرة بالانفراج والخضرة الدائمة.

ما هذا الإسقاط الباطني الكثيف؟ أمريكا التي تحاصر السودان تلزم صف الحياد والصين تناصر الإسلام وتاجوج في مخيم النصرة بكامل زيها العلماني وغازي يشرب قهوته ويضيع!!!!

التعليقات