رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/02/28

(1) ثلاثة أثق في مدى تقديرهم لما أكتب وسيقرأونه بعين فاحصة، وهم زميلي و"سينيري" الأستاذ باقان أموم والأستاذ ياسر عرمان، وأستاذي وصديقي فتحي الضو، ورابعهم صديق عزيز ألحَّ علي لثقته في تقديراتي وقراءاتي وهو محمد حب الدين، الترويكا "بلس" حفزوني لأجلس خلف الحاسوب لأدلو بدلوي فيما أراه الأكثر أهمية، وهو مستقبل بلدي والبحث خلف تلك الهواجس التي تقض مضجع كل أبنائه في المهمومين برؤية وطن ينعم بالسلام والديمقراطية والتقدم، ويرفل قاطنيه تحت ثياب الرفاه والعز والتقدم. أثارني ذلك الحوار الذي أجراه الأخ الاستاذ فتح الرحمن شبارقة، وقد زاملته في جريدة الرأي العام وقلت عنه ولا زلت عند رأيي بأنه محاور بارع، مع القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكمة في جنوبنا العزيز، باقان أموم، وهو قيادي رغم كل المياه التي جرت تحت الجسر. وما أثارني ليس ما يجري في الجنوب، فذاك حديث لا يثير بل يؤلم ويستفز ويدمي القلب، ولكن حديثه عندما سألته "شبارقة" * كيف تنظر للخلافات بين رفاقكم السابقين في الحركة الشعبية عقار وعرمان والحلو، وهل هي خلافات حقيقية؟ - نعم هي خلافات حقيقية ومؤسفة، ونابعة من التفسيرات المختلفة لمشروع السودان الجديد، ونأمل أن يتجاوزها وهم كقوى مكوّن أساسي من مكونات القوى السياسية السودانية، ونأمل أن يشاركوا مشاركة إيجابية في حل الأزمة السياسية السودانية لتحقيق دولة جارة مستقرة وهذا من صلب اهتمامنا، وواحدة من اهتماماتنا الرئيسية هو بناء دولتين جارتين تعيشان في سلام واستقرار وبينهما تبادل للمنافع. وقبله بأيام تزامنت مع الذكرى السنوية لرحيل القائد د. جون قرنق دي مبيور كتب الأستاذ ياسر عرمان تحت ما أسماه "نحو ميلاد ثاني لرؤية السودان الجديد" (منذ أن صدح دكتور جون قرنق دي مبيور برؤيته الثاقبة والآسرة معا (رؤية السودان الجديد) في يوليو 1983م، والتي هدفت في الأساس لتحرير وتوحيد السودان، جابهت تلك الرؤية تناقضات التاريخ والجغرافيا والسياسة والثقافة والمجتمع، ومع ذلك شقت طريقها نحو الجموع وإستأثرت بأفئدة وقلوب الفقراء والمهمشين على تباين مواقعهم، نساء ورجال في المليون ميل مربع، ولم تخطئ طريقها نحو المثقفين، وقدم الآلاف أرواحهم تحت راياتها، مع ذلك فقد تغير العالم وتغير السودان، وعلى مستوى الممارسة حصدت هذه الرؤية نجاحات وخيبات عديدة ، والآن تقف هذه الرؤية العظيمة في مفترق الطرق شمالا وجنوبا، وتواجه تحديات وصعوبات جمة ليست هي الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة، مثلما واجه الفكر الإنساني تحديات على مر الأزمنة.) وقبلهما كتب صديقي وأستاذي فتحي الضو، ضمن كتاباته في علم بديع المقال، عن حزب (دريفون) يتقدمه عمالقة! وقال فيما قال "إذا كنت يا قارئي العزيز ممن استقبلوا العيد بشيء من الإحباط كما هي أعياد أبا الطيب المتنبي، فأنهض وقل إنك تملك الجديد الذي تخزي به عين الأبالسة. وإذا كنت يا قارئي الحزين من زمرة الذين لا يرون سوى الظلام الحالك الذي يحاصرنا من كل حدب وصوب، فأعلم أن ثمة ضوء في آخر النفق، أشعل فتيله فتية وفتيات آمنوا بوطنهم وقضاياه. وإذا كنت يا قارئي الحائر من لدن قوم أصابهم التيئيسيون بوابل من غثهم، وصاروا يذرون على مسامعك تمدد سنوات العصبة، ويشيعيون صعوبة اقتلاعها، فقل لهم إن شباباً صمموا على دحرها، ولو كانت في بروج مشيدة. إن حزب المؤتمر السوداني أو (دريفون) الأحزاب السودانية، يقدم لنا نموذجاً رائعاً لما ينبغي أن تكون عليه الأحزاب في أداء رسالتها السياسية، بغية النهوض بوطن أنهكته الصراعات منذ استقلاله وحتى سحابة يومنا هذا، وبلا ادعاء لبطولات زائفةـ إنه حزب (دريفون) بمعايير الواقع، ولكن يتقدمه عمالقة. حزب لم يستند على أيديولوجية ماضوية، ولا أخرى مستحدثة، وإنما طفق يبحث عنها في تراب الأرض الطاهرة. وقال لها أخرجي من دموع الثكالى والفقراء الغلابا. وقال لها أخرجي من مسامات الأيادي المتعرقة كداً وكدحاً، وقال لها أخرجي من أفواه المتعبين والجياع الذين أتعبهم البحث عن قوت من خشاش الأرض. وقال لها أخرجي من فوهات البنادق والحروب العبثية، وقال لها أخرجي من عيون الشباب الطامحين بغدٍ حتماً سيأتي ولو كره الظالمون!" أما رابعهم صديقي العزيز محمد حب الدين، الذي يحفل كثيراً بالكتابة، وهو القارئ النهم، ويدرك مدى تأثيرها وخطورتها إذا انطلقت ومصاعبها قبل أن تنطلق، فقد أصر علي بأن أعيد نشر ما كتبته "واحدة وثلاثون جلدة على مؤخرة رجل" إبان تصاعد الأزمة بين قيادات الحركة الشعبية شمال ودافعه مدى قلقه مما يجري في أروقة حركة كان يتوق لرؤيتها تحقق، مثل كثيرين وأنا منهم، أحلام لطالما ظل يراها الشعب السوداني بعيدة المنال، ويبدو أنها كذلك. إذاً هي محفزات مغرية بالنسبة لي، لما تجعل من الغوص في غمار الكتابة عنها مغامرة ومقامرة، فما بين توهان الحركة الشعبية ومتاهة التيار الديمقراطي يظل السودان ضائعا. ويبقى الخروج من هذا المأزق رهين بأداء الفرائض الغائبة.

التعليقات