رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/01/26

وضعت الحركة الشعبية يدها على الجرح بتبنيها مفهوم "الوحدة في التنوع"، التي أسس د. جون قرنق قواعدها على (ركيزتين) وهما التنوع التاريخي والتنوع المعاصر متحرراً من الإقليمية التي (سيحاول أعداؤه أسره داخلها) إلى آفاق وطن يسع الجميع. وهو يقول –بحسب كتاب (جون قرنق: رؤيته للسودان الجديد) الذي حرره الدكتور واثق كمير "إن الوحدة التي نتحدث عنها، لابد أن تأخذ هذين المكونين لواقعنا بعين الاعتبار حتي نطور رابطة اجتماعية سياسية لها خصوصيتها، وتستند علي هذين النوعين من التنوع، رابطة اجتماعية سياسية نشعر بأنها تضمنا جميعا، وحدة افخر بالانتماء اليها، وافخر بالدفاع عنها، يجب أن اعترف بأنني لا أفخر بالوحدة التي خبرناها في الماضي، وهذا هو السبب الذي دفعنا للتمرد ضدها، إذن نحن بحاجة إلي وحدة جديدة، وحدة تشملنا كلنا بغض النظر عن العرق أو القبيلة أوالدين." وضع يده على الجرح .. نعم؛ ولكن لم يداويه، وهو ما يمكن بكل سهولة تتبعه خلال مسيرة الحركة الشعبية أثناء ميلادها الأول. فأول الفرائض الغائبة هي قدرتها على إدارة التنوع لتنحو به إلى الوحدة ابتداءً من داخلها، فقد أجبرتها "تناقضات التاريخ والجغرافيا والسياسة والثقافة والمجتمع" إلى الاعتماد على الخريطة القبلية بثقافاتها وصراعاتها وتعقيداتها، وهي عناصر تجعل من الصعب على تلك الخريطة التواؤم والانسجام مع مفهوم يتطلب أرضية أكثر صلابة من رمال القبلية المتحركة، على الرغم من واجهاتها التي تجاوزت رؤاها العقلية البنية العشائرية بسنوات ضوئية. بالرغم من فترة الكفاح طويلة الأمد، إلا أن صفة الكاريزما التي وهبها الله لدكتور جون قرنق، ولعوامل كثيرة، لم تسعفه في خاتمة المطاف في صياغة خطاب سياسي تعبوي من شأنه إزالة الإستقطاب القبلي الحاد داخلها. وبدلاً عن ذلك استخدم أساليب الجراحين في انسداد الشرايين أو ضيقها، باستخدام (القسطرة) لتظل القنوات مفتوحة ، وكثيراً من انفجرت تلك القنوات لخلافات قيادية استخدمت فيها القبيلة للخروج من الطوق بدلاً من السياسة. ذاك على صعيد المشهد الداخلي لتركيبة الحركة الشعبية، ولكن اعتراف د. جون قرنق بتراجعه عن مفهوم "الوحدة في التنوع" جاء صراحةً بعد صلابة أبداها القوميين الجنوبيين، وساعدهم في ذلك مشروع السلطة الحاكمة في الخرطوم الانفصالي بطبيعته. فتراجعت "الوحدة في التنوع" إلى الانفتاح على خيارات أخرى، وإن بقيت على صدارة الأجندة ظاهراً. وللتخفيف من وقع التراجع جاء خيار الكونفدرالية بديلاً وسطاً أثناء مسيرة التفاوض الداخلي مع الانفصاليين داخل الحركة للحفاظ على لحمتها من التشظيات التي أنهكت جسدها لأسباب غير هذا، وأثناء التفاوض مع النظام الحاكم. لكن خيار الانفصال عن طريق استفتاء حق المصير كان هو الخيار المرجح وإن جاء في زيل القائمة، وكأنه يقول "إن فشلنا في تحقيق الوحدة في التنوع على كل أرض السودان فيمكننا أن ننزلها واقعاً في الجنوب بعد الانفصال". لكن هذا القول لا يمكن أن يتسق مع الواقع ما بعد الانفصال، إذ انكشف الغطاء في ظل غياب كاريزما د. قرنق وقدرته على الإمساك بقوة بالتناقضات، وهو ما يتسق مع ما قاله القيادي في الحركة الشعبية باقان أموم في حواره مع شبارقة "الفشل يرجع لخيانة القيادة للمشروع وعدم قدرتها على تنزيل المشروع لأرض الواقع". وهو وإن نسب الفشل إلى "خروج القيادة ممثلة في سلفا وأعوانه من رؤية الحركة الشعبية لبناء دولة حديثة ديمقراطية علمانية قائمة على المواطنة" في جزء من حديثه، إلا أنه عاد واعترف، وهو جزء من ذلك، بـ"فشل القيادة في تنفيذ مشروع الحركة الشعبية الذي عبر عنه د. جون بوضوح بأن مشروع بناء الأمة يجب أن يكون قائماً على القواسم المشتركة لأى شعب سواء أكان شعب جنوب السودان أو شعب السودان وهذا هو الذي يقود للاستقرار ولتفجير طاقات الشعب لبناء مجتمع جديد تسوده العدالة والرفاهية". عدم القدرة على إدارة التنوع، مثلما ظلت إحدى الفرائض الغائبة لدى الحركة الشعبية، لم تفارق الحركة الشعبية (شمال)، ومن شابه أباه فما ظلم. أولا لأن الحركة (شمال) لم تغادر قيد أنملة طريقة إدارة داخلها بما يتناسب والتطورات الجديدة التي حدثت، والتغيرات الجيوسياسية التي فرضها الواقع الجديد. آثرت الحركة (شمال)، رغم التمدد الكبير الذي حققته جماهيرياً في الشمال بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في العام 2005 وحتى إعلان استقلال دولة جنوب السودان في يوليو 2011، البقاء تحت عباءة العسكرية وتنظيمها التراتبي على الانفتاح السياسي وكأنها لا تستطيع الحراك إلا داخل فضاءه، وهي التي تتطلع إلى أن يكون لها تأثيرها السياسي في الساحة في خاتمة المطاف. وخلقت لها ما أطلقت عليه "الجنوب الجديد"، وهو مصطلح موفق على صعيد التغيرات الجغرافية، لكنه يفارق بعد النظر على المستوى الجيوسياسي. فالجنوب الجديد ليس هو نفس القديم الذي ما أن طارت سكرة قادته بنشوة الإستقلال حتى جاءت الحرب وعدم الاستقرار كنتيجة طبيعية لبعض ما سقناه وغيره. كلنا يدرك أن (الجنوب القديم) كان له جنوبه المستقر –يوغندا، كينيا وإثيوبيا- ذو المصالح المتشابكة إقليميا والتي كانت تتكيء عليها الحركة الشعبية أثناء فترة الكفاح المسلح، بل وتتمدد لذلك إلى أعماق أكثر في اتجاه جنوب القارة حتى جنوب أفريقيا نفسها. ويمكن إلقاء نظرة على المشهد الآن للجنوب الجديد في هذا الإطار مع استصحاب التغيرات الإقليمية والدولية التي أضفت لمساتها على التغيرات الجيوسياسية التي تحدثت عنها. ثانيا غياب الكاريزما، والتي قلنا أنها منحة وهبة ربانية غير مكتسبة وأنها السحر والجاذبية التي تلهم الآخرين، والتي مكنت د. جون قرنق من السيطرة على الأوضاع الداخلية رغم كل ما حدث وكل ما قلناه ولم نقله. فلا رئيس الحركة (شمال) مالك عقار ولا نائبه عبدالعزيز الحلو ولا أمينها العام ياسر عرمان، وجميعهم ضمن الطاقم القيادي لجون قرنق، يمتلكون هذه الخاصية ولا تلك الجاذبية وذاك السحر الذي يلهم الآخرين، وهم أول من يعترف بتلك القدرات الغير عادية التي يمتلكها د.جزن. وكان يمكنهم –ثلاثتهم- أن يتبنوا منهجاً آخر متاح وله إرثه وتاريخه في ظل غياب الكاريزما واعتماد منهج القيادة الجماعية إلى أن تصل السفينة إلى بر الأمان، وهو ما كان سيغطي على ذلك الفراغ ويحافظ على الوحدة الداخلية للحركة (شمال)، وتلك فريضة أخرى غابت. وربما أسهم في ذلك، وورثته (الحركة شمال) حقيقة أخرى قد لا تبرز للعيان، ولكنها يمكن أن تظل متكئاً للتبرير، وهي الطبيعة العسكرية للحركة الشعبية الأم. وإن كانت تلك الطبيعة –في تقديري- كان يمكنها لعب دور أكبر في تجاوز (مطب) القبلية، إلا أنها تماهت مع الواقع فقسمت جبهاتها العسكرية إلى ستة قطاعات هي بحر الغزال وأعالي النيل والاستوائية وجبال النوبة والنيل الأزرق وأخيراً شمال السودان. هذا التقسيم في إطار الهيكلة الإدارية والعسكرية كان يمكن توظيفه بذكاء واجتهاد أكثر في ترسيخ مفهوم "الوحدة في التنوع"، لكنه في واقع الأمر استخدم وفقاً للتراتبية العسكرية ممزوجة مع بعدها القبلي. هذا الواقع استصحبته الحركة (شمال) في مسيرتها بعد الانفصال/ استقلال دولة جنوب السودان، وحاولت إسقاطه على واقع الشمال تحت مظلة المركزية والتراتبية العسكرية. فالحركة الشعبية الأم تعاملت مع قطاع الشمال ككتلة واحدة صماء باعتباره ليس قطاعاً عسكرياً، وكان أول ما لجأت إليه الحركة (شمال)، بعد الأحداث إلى قواعدها العسكرية في قطاعي جبال النوبة والنيل الأزرق. وفوتت فرصة كبيرة للاستفادة من التأييد الواسع الذي لاقته في القطاع السادس، قطاع الشمال، وتجاهلت مسؤولياتها تجاه بناء كتلة سياسية قادرة على التغيير. وهذا ما سنتناوله في ما هو قادم من فرائض غائبة.

التعليقات