رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/04/08

(4) آخر ما كتبت في الحلقة السابقة أن الحركة الشعبية شمال تجاهلت مسؤوليتها نحو بناء كتلة سياسية ديمقراطية قادرة على التغيير وهو ما يمثل قمة الفرائض الغائبة، باعتبار أن الاستراتيجية هي بناء هذه الكتلة –وهو ما سيأتي في سياق ما سنتناوله بهذا الخصوص- ولكنها آثرت العمل على تحالفات تكتيكية. وليس في ذلك مفارقة بقراءة المشهد العام للحركة والذي أوردنا بعضاً من مناظره سابقاً، ولكن الأبرز في هذا النهج الذي لازمها طوال مسيرتها، هو عدم قدرتها التنظيمية لاستيعاب الممارسة الديمقراطية ضمن بنيتها رغم أن مشروع السودان الجديد قائم على التحول الديمقراطي وترسيخ مفاهيمه. وبالتالي آثرت النأي والمجازفة بالدخول في مشروعات وحدة تحت أي صيغة يمكن أن تغير الطبيعة البنيوية القائمة عليها. ولأن بناء كتلة ديمقراطية، قادرة على (المساهمة) في انجاز مشروع وطني هدفه الخروج بالسودان من أزماته إلى رحاب الاستقرار والتنمية وتحقيق تطلعات أبنائه في العيش الكريم والمحافظة على حقوقه، ليس مسؤولية الحركة الشعبية وحدها بل هناك قوى وتنظيمات سياسية أخرى تبنت رؤى وأهداف مشروع السودان الجديد، فإنني أقحمت الأستاذ فتحي الضو في مقدمة هذا المقال. فقد كتب أستاذنا " عن حزب (دريفون) يتقدمه عمالقة!"، وتناول فيه النضالات الإيجابية لحزب المؤتمر السوداني، ولم يفارق الحقيقة في ذلك. فهو حزب شهد له الجميع بتقديم تضحيات تتناسب -في تقديري- وحجم مسؤولياته وتطلعاته، التي غابت عنها الفريضة الأخيرة. وبمقاله المشحون بدا لي وكأنه "غريق يتعلق بقشة" في ظل المشهد السياسي الغائم والذي يفقد اليائسين كل أمل في التغيير. لذلك اتخذته (نموذجاً) لبقية القوى والتنظيمات المتطلعة لبناء السودان الجديد. ولأني لا أرى في حزب المؤتمر السوداني مجرد "قشة يتعلق بها غريق" يمكن أن يجرفها التيار وينطفئ ذلك الضوء الذي رآه أستاذنا فتحي، وهو ثاقب الرؤية لدي، بل أراه مكون أصيل من كتلة صلبة يتكئ عليها الوطن ليخرج من قمقمه ويصل إلى بر الأمان، سأتناول بعض الملاحظات التي رأيت أن أنقلها ضمن هذا المقال، فقد جمعتني – إبان تكليفي رئيساً للمكتب التنفيذي للتحالف الوطني السوداني- بقياداته لقاءات عديدة على صعيد جماعي وآخر ثنائي، وبعض هذه الملاحظات يمثل رؤية شخصية لي في قراءة الأمور وأخرى وقائع كانت حصيلة لتلك اللقاءات. وهي ملاحظات تلتقي في بعض ملامحها مع تعقيدات لازمت أداء الحركة الشعبية، وليست متوقعة من " حزب لم يستند على أيديولوجية ماضوية، ولا أخرى مستحدثة، وإنما طفق يبحث عنها في تراب الأرض الطاهرة" كما قال فتحي الضو. لا يختلف (المؤتمر) عن (الحركة) في تخلفه عن التصدي لبناء كتلة ديمقراطية موحدة تحت صيغة أو مظلة تتفق عليها الأطراف المعنية، وإذا كان الأمر مفهوماً بالنسبة لي من جانب (الحركة) ويمكن إدراجه ضمن مقولة التناقضات التي عصفت بالمفهوم المركزي لمشروعها "الوحدة في التنوع"، فإنه ليس كذلك فيما يخص (المؤتمر) وإن كانت تشده للخلف بعض التناقضات التي سأورد ملاحظتي عنها في سياق ما سيأتي. على عكس (الحركة) التي انطلقت من (الغابة) مستصحبة كل تناقضاتها، انطلق (المؤتمر) من (غابة) أكثر تماسكاً وتجانساً وهي الجامعات التي شكل خريجوها رافداً مهماً للحزب طوال مسيرته، ولبرنامجه السياسي الداعم للخيار الديمقراطي والحريات بعيداً عن أي "أيديولوجية ماضوية أو مستحدثة"، وهو برنامج لا يفارق رؤية السودان الجديد قيد أنملة، بل يعززه ويقوي دعائمه أكثر، مثله وبرنامج حزب التحالف الوطني السوداني -الذي أنتمي إليه- وأحزاب أخرى، وإن اختلفت تجارب كل حزب أثناء مسيرته وتراكماته، ولكنه إختلاف حري به إثراء تلك الوحدة المنشودة وتمتين بنيانها. هذا الواقع برغم ما يحمله من إغراءات في مصلحة المشهد السياسي، إلا أنها لم تغر مراكز القرار في (المؤتمر) باتخاذ خطوة إيجابية تجاه تشكيل كتلة ديمقراطية موحدة، كما أنها لم تغر مجموعات لها تأثيرها في (التحالف) رغم تبني برنامجه لوحدة "قوى السودان الجديد" كآلية استراتيجية لتحقيق "الدولة المدنية الديمقراطية الموحدة" والتزام قياداته بالسعي لتحقيق ذلك والدعوة المستمرة له، والأمر ينطبق على الأحزاب الأخرى، فالكل "يقدم رجلاً ويؤخر أخرى" مراوحاً في مكانه. وهذا –في تقديري- أشبه بالخوف من ذوبان مكتسبات وإنجازات شخصية في إطار أكثر اتساعاً يفقدها بريقها، أو هو ما يطلق عليه الطب النفسي "الإضطراب الوهامي" وتندرج أحزابنا –تلك- فيه تحت نوع توهم القيمة أو القوة أو المعرفة بشكل يعميها عن الاستجابة للواقع. ومثلما ظلت (الحركة) تغلب التكتيكي على الاستراتيجي في رسم ملامح تحالفاتها السياسية، كان هذا منهجاً ملازماً لـ(المؤتمر). ظهر الأمر جلياً منذ الحراك السياسي الكبير الذي اتسمت به الفترة الانتقالية –عقب توقيع اتفاقية السلام الشامل بين الحركة الشعبية والحزب الحاكم في 2005- ولا زال، إذ يفضل العمل في إطار التحالفات القائمة على برامج الأدنى قبل السعي لبناء الكتلة المنشودة. ففي مرحلة الانتخابات، التي نصت على إجرائها اتفاقية السلام الشامل في 2010 وجرت في إبريل من العام نفسه، لم يشجع (المؤتمر) فكرة المرشح الواحد للرئاسة وذهب مع الرأي القائل بتعدد المرشحين في مواجهة (المؤتمر الوطني) وهو ما حدث فعلاً. فقد قدم كل حزب مرشحه إلى الرئاسة، ثم جاء قرار بعض أحزاب المعارضة بالمقاطعة والانسحاب من الانتخابات ضمنهم (الحركة)، ولم تنسحب بعض الأحزاب ضمنها (المؤتمر) و(التحالف) وأحزب أخرى متفقة البرامج والرؤى. وقدم (التحالف) مرشحه للرئاسة وهو ينظر إلى خوضها –رغم كل ما قيل عنها- كساحة من ساحات المعركة ضد الحكم الشمولي، واستطاع خلالها تقديم نفسه، وطرح فيها برنامج لا يمثله فقط بل يمثل الآخرين، إلى قطاعات واسعة في ولايات السودان المختلفة، في الوقت الذي اكتفى فيه (المؤتمر) بترشيح رئيسه –الأستاذ إبراهيم الشيخ- في دائرة النهود الجغرافية. وهنا الملاحظة الأهم. ترشيح (المؤتمر) لرئيسه في سباق الرئاسة، وعدمه هو تقدير يخص الحزب دون شك، كان سيضيف الكثير للمشروع الديمقراطي ويغطي مساحات أوسع ويصل بالفكرة إلى قطاعات مختلفة ويرسخ المشروع حتى في القطاعات التي غطاها (التحالف)، ما سيكون مردوده المستقبلي إيجابياً. أكتفى (المؤتمر) –كما قلت- بترشيحه في دائرة النهود، وحصر كل مجهود الحزب وقدراته في دائرة جغرافية لا يتجاوز عدد الذين يحق لهم التصويت فيها الـ10 آلاف، وليس في الدائرة التي تشهد حراكه السياسي ونشاطه اليومي، وهذا يعبر عن عدم ثقة في كل حركة الوعي التي ثابر (المؤتمر) على المساهمة في بثها. واختار بدلاً عن ذلك "قبيلته التي تؤويه"، وهنا المفارقة الكبرى، والمفارقة ليست في الاعتراف بالواقع القبلي المتجذر في السودان، بل في مقاربة ذلك، أولاً بما يحدث في (الحركة) للسطوة القبلية على مسيرتها، على عكس (المؤتمر)، وثانياً السير في نهج الإمام الصادق المهدي في ترشحه بدائرة الجزيرة أبا لا غيرها، باعتبارها مركز طائفة الأنصار. الأمر الثاني، الذي يؤشر على عزوف (المؤتمر) عن الاتجاه نحو بناء كتلة ديمقراطية موحدة حينها، ولا زال إذا لم تحدث مستجدات لست ملماً بها، هي تقديم قائمة حزبية موحدة في تلك الانتخابات، أولاً باعتباره تمرين يفيد مستقبل القوى الديمقراطية، وثانياً حشد كل الجهود المشتركة في تقديم نموذج سياسي يبعث على الأمل وسط المواطنين. وفيما اتفقت بعض الأحزاب ضمنها (التحالف)، آثر (المؤتمر) أيضاً المضي وحيداً في هذا الاتجاه رغم الجهود الكثيرة التي بذلت من أطراف عدة، وهو إن كان حقاً مشروعاً لكنه يعبر عن التنصل من مسؤولية أرى إنها في رأس الأولويات للوصول إلى صيغة وحدوية كآلية استراتيجية لتحقيق ما ظل يقدم في سبيله كم من التضحيات الجسام. ومثلما يأكل الذئب من الغنم القاصية، فالحزب الحاكم اجتهد، ونجح إلى حد كبير، في تفتيت وحدة القوى المعارضة عموماً وقوى السودان الجديد والتيار الديمقراطي خاصة وهو بذلك أكبر الرابحين من هذا الوضع. و(الحركة) و(المؤتمر) وغيرهما من القوى الداعية للسودان الجديد، سواء في الوسط أو شرق السودان أو دارفور ويحاول الحزب الحاكم محاصرتها داخل إطار إقليميتها، التي لا زالت "تقدم رجلاً وتؤخر أخرى" في إنجاز هذه الوحدة (تحت صيغة يتم الاتفاق عليه جماعياً)، هي المسؤول الأول عن استمرار النظام القائم لثلاثة عقود. فإن استطاع الحزب الحاكم، بعد الانفصال/استقلال دولة جنوب السودان، الإنفراد بـ(الحركة) بعد رعبه من قدرتها على الحشد الجماهيري وإمكانية تمددها الشعبي خارج نطاق "المنطقتين" وسط تعطش تيار عريض لرؤية جهة ليست قادرة على الفعل السياسي المؤثر فحسب بل يمكنها تحقيق تطلعاته، فقرر إعادتها إلى "ثكناتها" في جنوب كردفان والنيل الأزرق ليسهل ضربها بالمدافع، وهو ما حدث، فهو ينظر إلى الحراك المحدود للقوى الأخرى طالما ظلت متفرقة بعين الرضا، وتتحسب أجهزته الأمنية لعدم تجاوزه تلك الحدود بترسانتها القمعية، وغيرها. وما محاولة التشكيك في رئيس حزب (المؤتمر) السابق الأستاذ إبراهيم الشيخ، التي حاول تمريرها الحزب الحاكم في الأوساط السياسية المعارضة، ومحاولة ضربه باعتباره أحد أثرياء عهد الإنقاذ، وأن هذا يضع علامة استفهام حوله، إلا نموذجاً للحرب التي تخوضها أجهزة الحزب الحاكم ضد أي تمدد خارج الحدود التي يراها محرمة على غيره. وفشل هذا السيناريو لمعرفة القوى المعارضة بالأستاذ إبراهيم الشيخ وصلابته، وللنهج الديمقراطي الذي التزم به في عقده لمؤتمره وانتخابه لرئيسه الجديد بحسب لوائحه. وفي سيناريو آخر ولضرب أي محاولات لمشروع هذه الوحدة، التي تستهدف بالضرورة بقاءه ومصالحه، يمكن أن يسهم في تقديم (المؤتمر) أو غيره من الأحزاب باعتباره بديلاً لـ(الحركة) دون السماح له بالتمدد أكثر من اللازم، وهو اتجاه يمكن أن يلاقى هوى في النفس، طالما ظلت تلك القوى مفرقة. فأكثر ما يخشاه النظام الحاكم وقوى أخرى لا مصلحة لها في التغيير هو أن تتكون كتلة قادرة على الفعل، وعلوم الفيزياء علمتنا أن "المغنطيس" كلما كبر حجمه كان قادراً على جذب ما حوله بصورة أكبر وأقوى، والتيار الديمقراطي والقوى والقطاعات التي لديها المصلحة في المشروع الديمقراطي تنتظر كتلة كهذه، أولاً قادرة على إحداث توازن في المشهد السياسي عموماً، وثانيا قادرة على تحقيق تطلعات الوطن والمواطن والمحافظة عليها، ثالثاً قادرة على إحداث استنهاض للتيارات الديمقراطية في الأحزاب التقليدية لإحداث تغييرات داخل أحزابها، لا الخروج منها، لصالح ممارسة سياسية تصب في مصلحة مستقبل السودان الديمقراطي الجديد المنشود، قادرة على تجيير التنوع والتعدد القبلي لصالح التنمية والسلام الاجتماعي وهزيمة مشروع الحزب الحاكم في العمل على استخدامه لتحقيق مصالحه حتى وإن كان الثمن الحرب والموت والدمار. أؤكد أخيراً إنها ليست مسؤولية (الحركة) و(المؤتمر) فقط، بل مسؤولية جميع الأحزاب والقوى المؤمنة بمشروع السودان الجديد، ليتحقق ذلك، ويمكن النظر إلى مشهد النيل بروافده المختلفة، هو تجسيد طبيعي لهذا المشروع؛ فالكل يعرف النيل وربما يعرف النيلين الأزرق والأبيض، ولكنه لا يعرف أن عنفوانهما وقوتهما واستمراريتهما تأتي من روافد كثيرة لا يعرفها سوى من يقطنون على ضفافها أو قريبين منها. فالنيل بجبروته وقوته وقدرته على مد تلك الصحارى بالحياة هو نتيجة تجميع كل تلك المصادر.

التعليقات