رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/10/30

كانت أنفاسُه الأخيرة علي موعدٍ مع القاهرة، المدينة التي أحبَّها وسلخ أعواماً طوالاً بين رُبُوعها، ونشأت بينه وبينها وشائج في الغَيْبِ قبل أن يراها في عالم الشِّهادة، ويكون بعضاً منها وتكون بعضٌ منه، فقد درس مراحله الابتدائيَّة في مدراس كُمبُوني والإنجيليَّة، في مدينة أخرى، أحبَّها وظلَّ يستذكر حُبها ويعود إليها كلما شطَّ به الفراق.. بورتسودان على ثغر البحر الأحمر، غير بعيدٍ عن شواطئ أخري أحبَّها أيضاً في جبهة سيناء، وفي بورسعيد، وخفَّ وطئه عليها مُقاتلاً ضمن كتائب المُدافعين عن حُدُود المواجهة في حرب أكتوبر ١٩٧٣، كانت أنفاسه أيضاً على موعد فجر الثالث عشر من أكتوبر ولكُلِّ أجلٍ كتاب. 

 

ورغم شبابٍ مُفعمٍ بالجُنديَّة والعسكريَّة في موردٍ من مشربين، فقد جسَّد عبدالسَّلام أنموذجاً فريداً في التجرُّد من العصبيَّة، فهو من تلك الدُّفعة التي درست الكليَّة الحربيَّة بالكامل في مصر، وتخرَّجت تحمل في جنباتها زمالة واحدة من مصريين وسُودانيين وإن بدت مُزدوجة، دفعة 1971 التي تبدو فذةً علي غير مثالٍ سابق أو لاحق، وظلَّ إلى حين استقراره الأخير في مصر لا يُفرِّق بين أحدٍ منهم، مصريين وسُودانيين، فيهم أسماءٌ كبيرة بلغت ذُروة المناصب، فكُلُّهُم زملاء الدُّفعة، وهي زمالة مقدَّسة لدى العسكريين. 

 

وكما ظلَّ عبدالسَّلام سُودانياً ومصرياً في ذات الوقت، فقد ظلَّ عسكرياً ومدنياً بذات المستوى، وتلك لعمري مُوازنةٌ أشق وأضني، بل هي خِصْلةٌ أندر ما تكون عندما تعلم أنَّ والده المرحوم صالح فرح كان أيضاً عسكرياً ومعلماً بالكليَّة، تدرَّب علي يديه ثلَّة من الأوَّلين وثلة من الآخرين.

 

يحكي عبدالسَّلام عن أوَّل لقاء جمعه بالرئيس السُّوداني الرَّاحل جعفر نميري بعد حادثة انقلاب ١٩٧١ المُضرَّج بالدماء، وقد حملت الفُجاءة كل تلك الدفعة وطوت جناح السَّفر على غير توقع من القاهرة إلى الخُرطوم لتُدرك الانقلاب قبل أن يستقر، ولكنَّ الأحداث كانت أسرع لدحض الانقلاب قبل وصولهم، فدخلوا  فوراً في عقابيله. وإذ اُختير عبدالسَّلام في قوائم قسم الاستخبار وأبلى بلاءً مُلفتاً في تحرياته، انتبه النميري إلى تقرير كتبه ضابطٌ حديث التخرُّج وطلب من قائد الاستخبارات دعوة الضابط الصغير لمقابلته.. عند المقابلة، سأله النميري عن علاقته بمدرِّبه صالح فرح، وعندما أكَّد عبدالسَّلام أنه والده، قرَّر النميري على الفور ضمَّه لكتيبة الحرس الجُمهُوري، وهي الكتيبة التي ظلَّ بها حتى بلغ منصب نائب قائدها، وهي السَّانحة التي أتاحت له ألا يرتدي الزي العسكري قط، بل ليشتهر بين الجميع بالطقم السفاري الأبيض، أو البدلة الأفريقية، لباس الأفارقة الكبار.  

 

وكما ظلَّت علاقته وثيقة بطائفة جليلة من قادته العسكريين، أمثال بشير محمد علي وحمَّاد توفيق وحمادة عبدالعظيم وعُمر محمَّد الطيب والسِّر أب أحمد وغيرهم كثير، بل إنه ليذكُر في فخرٍ وإعزاز تدخل الفريق عبدالماجد حامد خليل لدى النميري أكثر من مرَّة ليوقع على انتداب عبدالسَّلام إلى دولة الإمارات أُسوةً بزُملائه، ويُؤكد علي ذلك بأنَّ عبدالسَّلام يُكرِّس كُلَّ وقته في عمله برئاسة الجُمهُورية ولا يملك حتى منزلاً يُؤمِّن له سُكناه في المستقبل، سوى دار الأسرة العامرة بالحلفاية.. كان النميري يترجَّي قائد الأركان ليُرجئ الأمر، لأنَّ عبدالسَّلام عند النميري، كما هو عند الكثيرين، مصدر سلوى عظيمة وليس مجرَّد ضابط في حرسه، وكان يقول بصريح العبارة، أنَّ عبدالسَّلام هو مصدر ضحكته الوحيد في وحشة السُّلطة وضُغُوطها، إلى أن نجح عبدالماجد في حُصُوله على موافقة مشروطة، يُنتدب فيها عبدالسَّلام لعامٍ واحد ويعود لموقعه في الحرس الجُمهُوري، وهو العام الذي أسَّس له وشائج طيِّبة ممتدَّة مع مشايخ إمارة الشارقة.

 

وكما ظلَّت علاقته طيِّبة مع قادته العسكريين، فإن القائمة تطول لو تصدَّيتَ لإحصاء علاقات عبدالسَّلام مع السُّودانيين الكِبار الذين عرفهم وعمل معهم، وحملوا له وداً كبيراً وبادلهم حُباً بحُب، فهو يذكُرُ بإعزازٍ كبير علاقته بجمال محمَّد أحمد، خاصةً وأنَّ نجله الأكبر عاصم جمال كان زميلاً لعبدالسَّلام في الكليَّة الحربيَّة، وبما أنني مُولعٌ بجمال محمَّد، فقد أضاءت لي روايات عبدالسَّلام عنه جوانباً لم يكُن ليتيسَّر لي أن أراها لولا ذلك، كما امتدَّت علاقات عبدالسَّلام مع تلامذة جمال الكِبار، خاصةً الطيِّب صالح ومنصور خالد، فقد كان الطيِّب صالح حفيَّاً بعبدالسَّلام، يزوره مسافةً تُوجِبُ القصر من منزله في ويمبلدون إلى “بملكوا” حيث يسكن عبدالسَّلام، بل إنَّ الطيِّب صالح هو من قطع تردُّد عبدالسَّلام في السَّكن في منطقة “بملكوا” عندما مدح المكان في عباراتٍ طريفة: «كيف يا عبدالسَّلام ترفُض، إنت سكَّنوك في حي الأشراف».  كما كان الطيّب صالح شديد الإلحاح علي عبدالسَّلام لتدوين مذكراته بوصفها قصة عظيمة تحوي جوانب مهمَّة من تاريخ السُّودان إبان ثلاثة عشر عاماً قضاها إلى جانب النميري، وكان يُحفِّزنا علي حثِّ عبدالسَّلام ليفعل، وكُنتُ أقولُ للطيِّب صالح رداً علي طلبه المُلِح: «عبدالسَّلام لمَّا دعته نفسه للمجد زجرها»، أقصِدُ العبارة الرَّائعة التي أجراها الطيِّب صالح على لسان أحد أبطاله في “بندر شاه”.

 

أمَّا علاقة عبدالسَّلام صالح مع منصور خالد، فهي تدخُلُ في علاقة خواص الخواص، فقد عاش منصور خالد مُحبَّاً للوحدة حفيَّاً بخُصُوصيَّته، لكنه كلما أودعه الأطباء في لندن لسرير المستشفى، يطلب إخطار واحد فقط من الناس ليكون في صُحبته، هو عبدالسَّلام صالح.

 

لن نبرح رفاق مايو قبل أن نذكُر علاقته المتميِّزة مع إبراهيم منعم منصور، وزير المالية الذي يعتز بصداقته ويرعاها بكُلِّ ما يملك من محبَّة وانتباه، وهي محبة واعتزاز مُتبادل.

 

في معادلة التوازُن العبقري، توفر عبدالسَّلام على عقل حافظ ذكي، وروحٍ علميَّة، كأنه أحد أتباع الوضعيَّة، ولكنه أحاطها بروحٍ صوفيٍ فيَّاض، لا يتقدَّم عبدالسَّلام مُطلقاً ليؤُم الصلاة، ولكنه يحملك إلى ربيعٍ روحي عند يُصلي خلفك أو إلى جانبك وهو يلهجُ بالذكر في صوتٍ عميقٍ مُفعمٍ بالخشية، ثمَّ يُصلِّي على النبي مثاني يَقشَعِرَّ لها البَدَن، فالصَّلاة على النبي هو إدمانه كما يقول عن نفسه. أذكُرُ أنَّ الدكتور منصور خالد جاء ذات مرةٍ إلى لندن وضايقه جداً غياب عبدالسَّلام  في رحلةٍ إلى إيطاليا، وعندما عاد عبدالسَّلام، سأله منصور: «ماذا كنت تفعل في روما؟».. أجاب عبدالسَّلام: «كُنتُ مدعواً من قبل آباء فيرونا!».. سأل منصور مستعجباً: «آباء فيرونا؟  هل أنت سمَّاني أم كاثوليكي؟».. لقد تلقى عبدالسَّلام فعلاً دعوة من الجمعيَّة الكاثوليكيَّة المرموقة بوصفه خريجاً مُميَّزاً من مدارس الأب كُمبُوني، وهو بذات التوازُن المُبدع كان يستلهم فيوض الإيمان من مشايخه المتصوِّفة العديدين، وهو كذلك طوَّافٌ كثير الزيارة لمقامات الأولياء في كُلِّ مكان، خاصةً مصر، وله شبكة مضيئة مع أهل الله في كُلِّ مكان، بعضُهُم لقيه وعرفه، وبعضُهُم لقيه ولم يعرفه، وبعضُهُم لم يلقه قط، ولكنه في وصالٍ دائمٍ معهُم بحبل المحبة المتين وبعطاءٍ غير ممنون، ولكنه بذات المحبة كان يلقى أهل الملة المسيحيَّة ويطرب لصلواتهم ودعواتهم وسِيَرِهِم في الانقطاع والتبتُّل.

 

  من مناقب عبدالسَّلام التي لا تُخطئها العين عُكُوفه الدَّائم على القراءة، ومحبَّته الشديدة وتقديره لأهل المعرفة، يذكُر قصصاً طيِّبة عن عُرى صداقاته.. الأوَّل مع علي المك وصلاح أحمد إبراهيم، ويحتفظ بخطاباته التي تبادلها معه الأخير، بل ويحفظ مقاطع منها عن ظهر قلب، ويذكُر تواصُله الدائم معه إبان السَّنوات العصيبة التي أعقبت استقالته من وزارة الخارجيَّة وسعيه لحلِّ الأزمة مع منصور خالد، كما يحلو ويطرب كلَّما استعاد ذكريات ثقافة صلاح وفكاهته.. يقول عبدالسَّلام: كَتَبَ لي صلاح من فرنسا: أعيش في غرفةٍ تجمِّد العروق من البرد بالحي اللاتيني، والحلوة في أمدرمان تغني “يا ماشي لي باريس جيب لي معاك عريس”.

 

تزوَّج عبدالسَّلام من صُنُو رُوحه “سونا عبدالله باعشر”، وكانت وشيجة أخرى خلَّدت علاقته ببورتسودان وعائلاتها الحضرميَّة الكبيرة التي صنعت مجد تلك المدينة، في مصاهرةٍ أحبَّها عبدالسَّلام وأخلص لها وظلَّ لسانه يلهج بالثناء على أهله، أولئك الذي انتسب إليهم لا سيَّما صهره عبدالله، وأنجب من الأبناء: الزين الذي قلده اسمه شيخه الأحب إلى نفسه، ثم ابنه الثاني محمَّد الذي رمز به إلى محبته للنبي واعتصامه الدائم بذكره، ثم آخر العنقود صالح على اسم والده، وسوى ذلك، فقد ارتبط عبدالسَّلام بأسرته الصغيرة وعائلته الكبيرة في بِرٍ وتواصُلٍ لا مثيل لهُما، كما جدَّد علاقته بأحفاده وظلَّ كلما ذكرهُم وهو بعيد عنهم تعتريه بهجة خاصة، وكلما غشيتهم عِلَّة ولو طفيفة سال دمعُهُ مدراراً، لا يُشبه في ذلك إلا علاقته بوالدته – رحمها الله – التي كلَّما هاتفها بكي، وكلما ودَّعها سُمِعَ نحيبُهُ.

 

رَحِمَ الله عبدالسَّلام صالح فرح رحمةً واسعةً، وألهَمَ أسرته وأصدقائِهِ الصبر الجميل، فعبدالسَّلام من الرِّفاق الذين يُيسِّرون عليك رحلة الحياة، وهي “رحلةٌ صعبة”، كما يقول الطيِّب صالح، وقد ضمَّ ثرى القاهرة جُثمانه قبل قليلٍ بين السَّابقين الذين أحبَّهم، فقد كان يقول: «القاهرة مبروكة مبرورة بسبعين صحابي شهيد دُفنوا في  أرضها بعد معركة المُقطَّم».

 

 

13 أكتوبر 2020م

التعليقات