رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/06/07

 

اعترفت الحكومة الإثيوبية مؤخراً بسودانية الفشقة، بعد احتلال دام ربع قرن من الزمان، فهل سيكونُ هذا توطئةً للاعتراف بسودانية ديار بني شنقول، والتي لم تدخر الحكومات الإثيوبية جُهداً في المحاولة لطمس هُويتها، أو إذابة قوميتها في كِيانات قبلية، مثل: (قالة، وأورومو، ومكادة، وأمهرة، وتقري، وأقو) ... إلى آخره؟ فيما كان الرحالة يشيرون إلي قوميات ديار بني شنقول "بعرب سنار"، فالأصل أنَّ هؤلاء هم أبناء وبنات ملوك الفونج، الذين أسسوا السلطنة الزرقاء التي حكمت السودان وذادت عن حياضه لثلاثة قرون خلت (1504م – 1821م). غزا الأحباش في تلكم الفترة مملكة سنار مرات متتالية: أولاها حَمْلتان جردهما ملك الحبشة صوصنيوص في عامي 1706م و1707م على التوالي. وفي عام 1844م، غزا ملك الحبشة "إياسوا الاول" مملكة سنار بقواتٍ ثقيلةٍ تم دحرها. لكنهم لم ييأسوا، واستمروا في محاولتهم التوغلَ في العمق السوداني بقيادة مليكهم يوهانس الرابع، حتى دحرتهم قوات المهدية عام 1886. ومن بعدها لم يجترئوا ولم يستطيعوا الاقدام على أي محاولة حتى انهارت الدولة الوطنية السودانية، فاستقوى "منيلك الثاني" بالإنجليز في محاولة لاستتباع ديار بني شنقول. التاريخ ينبئنا بأنّ للأحباش استراتيجية لا تتبدل، فهم يغزون السودان دوماً في حالة الضعف! فقديماً؛ غزا الملك "عيزانا" مملكةَ مروي (305م – 400م(، وذلك بعد خروج الرومان الذين احتلوا المملكة النوبية، ممّا أضعفها، وتسبب في تشظيها إلى ثلاث ممالك :- علوة، والمقرة وسوبا.

 

بالقدر الذي يشير فيه التاريخ الحديث، إلى كمية من الحزازات والكراهيات التي لربما شابت العلاقة بين شعوب الهضبة والسهل، إلا إن هناك ارتباطاً بديعاً وثقت له مسيرة الترقي الروحي التي صحبت الازدهار المادي والحضاري الذي شهدته المنطقة بأسرها. تشير شواهد كثيرة إلى أنّ السودان القديم كان مسرحاً لأحداث تاريخية جليلة أشارت إليها الكتب السماوية، رغم ما طرأ على الأماكن من تغيير في المسميات، وما أقحم من تبديل في الحادثات، والتي تمت – معظمها – بدافع الإنكار للدور الريادي الذي قام به "الرجل الأسود" في إنشاء أول حضارة في التاريخ الإنساني، فلجأ البعض إلى استقطاع الذاكرة، ولجأ البعض الآخر إلى حيلة الاستحواذ الجغرافي، الذي قسم أرض السودان إلى مصر العليا ومصر السفلى، وأنكر مستوى الترابط الحضاري والإنساني بين إثيوبيا ودولتي وادي النيل. قبل أن نجد الفرصة للاتساق مع ذواتنا وذلك بالتعرف على فخامة أسلافنا، أفقنا مؤخراً على اكتشاف من شأنه، أن ينفي الأساطير التي حيكت عن مجد الأوائل، ويغيرَ وجه التاريخ.

تحدث الشيخ بهاء الدين بن الشيخ موسى بن الشيخ هجو لحيرانه وتلامذته في حلقات مُطوّلة بثت من بعد على اليوتيوب،مُدَعِما أقواله بآراء الرحالة التركي أوليا شلبي (أوليا جلبي)، ومستنداً إلى إحداثيات حددها أحد الفنيين (بالغوغل إيرث)، عن وجود أحد المحاريب الضخمة (المعابد الضخمة) لسيدنا سليمان عليه السلام، بالقرب من قرية الكُنِيسة في شمال السودان، وذكر أنَّه مدفونٌ بأكمله في الرمال، وحوله مدن بكاملها مدفونة داخل الأرض. وفي ذلك يقول الرحالة التركي أوليا شلبي (أوليا جلبي) الذي زار السودان خلال الفترة ما بين عام 1650م و1670م – في مؤلفه بعنوان (الرحلات) – إنّه زار أحد محاريبِ (معابد) سيدنا سليمان عليه السلام في شمال السودان، وقد وصل إليها بعد مسيرة ثلاث ساعات بالقافلة من قرية الكُنِيسة (سمّيت على كَنِيس سليمان عليه السلام)، في محافظة مروى في شمال السودان. واستطرد الباحث يقول: إنَّه ثَبُت من خلال الآثار، أنَّ (المدينة) التي عاش فيها كلٌ من سيدنا يوسف عليه السلام، وسيدنا موسى عليه السلام، تقع في وسط صحراء أبو حمد في شمال السودان، وعلى ضفاق المجرى القديم لنهر النيل، قبل أن يتحول مجراه إلى المجرى الحالي، وأنَّ أرض (التيه) لبني إسرائيل هي صحراء بَيَّوضَة في شمال السودان.

 

يمكنّا الحصول على معلومات قيمة من كتاب (جيمس بروس) المستكشفِ الأسكتلندي، فهو أول من تتبع النيل الأزرق من مصدره حتى التقي مع النيل الأبيض، ففي 29 نوفمبر 1772 وصل (جيمس بروس) إلى أسوان، ونشر كتابه "البَعَثات لاستكشاف منابع النيل بين 1769 – 1773"، والذي يعتبر من أهم الكتب المرجعية في فحص جغرافية إفريقيا ووادي النيل. ذكر بروس بلدة تنحدر الأنهار نحوها لتخلق تربة عالية الخصوبة، لها قدرة كبيرة على الاحتفاظ بالماء، وتوفير العناصر الغذائية الأساسية للنباتات، تقعُ على سفوح مرتفعات الحبشة على الحدود السودانية، واسمها الحقيقي "طوى"، وتعرف اليوم بمدينة القضارف. يعتبر هذا المكان من أكبر مناطق الانتاج الزراعي في السودان، وتوجد به وديان عالية الخصوبة. كما تعتبرُ القضارف من أكبر مناطق إنتاج الذرة البيضاء والسمسم في العالم، ويُقدرُ حجم ثروتها الحيوانية بحوالي 7 ملايين رأس من الماشية، حيث تتقاطر إليها القطعان من المناطق المجاورة. وفي الواقع، لا توجد بقعةٌ مباركةٌ الزراع والضرع، مثلُ هذه البقعة في المنطقتين العربية والإفريقية بأكملهما، من حيث عدد الأنهارِ وهي: نهر عطبرة، وسِيتيت، والرهد، وبَسَلام، إلى آخره، وتنوع الحصاد الزراعي، والمساحات الخضراء الشاسعة.

 

وإذا تتبعنا القصص القرآني، وجدنا أن الله قد كلم موسى في الوادي المقدس (طُوى)، يقول الله عزّ وجل في القرآن الكريم "إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12(" سورة طه، هذا الوادي على جانبِ مرتفعٍ جبلي عالٍ جداً وضخمٍ يسمّى الطور "وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)". السؤال: أين يقع وادي (طُوى) المقدس؟ وفي أي بلد هو؟ هل حقيقةً أنَّه يوجدُ بجوار مرتفع الحبشة "الطور" على حدود المنطقة السودانية الإثيوبية؟ ما العلاقة بين هذا الموقع وبقية الإشارات التي وردت في أماكن متفرقةٍ من القرآن الكريم، تحديداً تلك التي وردت في شأن موسى وبني إسرائيل؟ هل هناك ثمةَ رباط بين البقعة المُباركة والشجرة التي تنبت بالدهن وطور سينين ووادي (طُوى)؟ إلى آخره، من الدلالات العظيمة التي ربطت رحلة الإنسان الروحية برقيه الحضاري وتطوره المادي. إذا علمنا أن "البحر المسجور" يعني "الجسم المائي الكبير الممتلئ" حتى يفيض، يلزمنا التفكر مباشرة في المرتفع الذي يُعرف "ببرج الماء" الذي هو مصدر الحياة! سيما وأنَّ هناك لقباً آخر لمرتفع الحبشة هو "برج الماء"، لأنه المصدرُ المائيُّ لوادي نهر النيل بأكمله، جنوباً من الحبشة إلى الشمال والشرق من السودان، وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط.

 

بما إنَّ موسى كان عائداً مع عائلته من مَدْيَن (اليمن)، فمن الواضح أنه دخل مصر من الجنوب، ممّا يعني أنه مرّ من الحبشة والشمال الشرقي للسودان، على الحدود الحالية بين السودان والحبشة، تحديداً المنطقة التي تسمّى الآن بمدينة القضارف السودانية، حيث الأنهار الكثيرة وتنوع المحاصيل والأشجار والزراعات والخيرات التي تدل على البركة والنّماء. لعل الله وصف هذا المكان في القرآن "بالبقعة المباركة"، لما فيه من تعدد الأنهار وتنوع المحاصيل والأشجار والزراعات والخيرات. حيث يخرج من مرتفع الحبشة أكبر حزام من الأشجار ويمتد إلى السنغال في غرب إفريقيا (حزام أشجار دُهْن أو زبدة الشيا الممتد على مساحة تزيد عن 3.7 مليون كيلومتر مربع، عليه فإنّه أطول حزام من الأشجار على الأرض)؛ ينمو هذا النوع من الشجر فقط عند خط الاستواء، وتحتوي ثماره على زبدة (دُهْن) ذات لون عاجي، وتعتبر هذه الشجرةُ سخيّةً إذ تنمو من تلقاء نفسها، ومعمِّرة إذ تظل تنتج ثمارها لأكثر من 400 عام. يقول الله في القرآن الكريم، "وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ" (20)، سورة سورة المؤمنون. إذا بحثنا في قاموس أوكسفورد الإنجليزي سنجد أن أصل كلمة طاور (برج) هي ذاتُها كلمة (طور)، وهنا تجدر الإشارةُ أيضاً إلى أن كلمة طور باللغة العربية، وكلمة طاور (برج) باللغة الفرنسية هي "طور"، وبالإسبانية "طور ي"، وباللغة الإيطالية، أيضا "طور ي"، وباللغة الألمانية "طرو م." (كلار فوستر في برامجها ThereIsNoClash الذي بث على حلقتي في شهر يوليو 2019)

 

طبقاً لما ذكره علماء التفسير في القرآن الكريم، فإنَّ سيناء وسينين هما اسمان على عَلمَين من أصل حبشي؛ وفي مرتفع الحبشة نجد قِمّةً جبلية تُسَمّى جبل "سينين". على الرغم من اختلاف أسماء القمم الجبلية سينين، سيمين، سيناء، سينان ... إلخ، فإنها جميعاً – ومن منظور جيولوجي – تمثل كتلة جبلية واحدة تسمّى "المرتفع البرج"، ويطلق عليه أحياناً "البرج الإفريقي"، لأنه يمثل أكبر مرتفعٍ ذي كتلة جبلية واحدة ممتدة على مسافةٍ طويلةٍ جداً تقدر ب 519278 كيلو متراً مربعاً. يطلق أيضاً على مرتفع الحبشة "بلاتوه إفريقيا" أو "سقف إفريقيا"، وارتفاعاته متعددة تتجاوز 4000 متر، وتصل أقصاها 4500 إلى متر؛ أمّا سيناء وجبل سيناء الموجود اليوم في مصر فيبلغ متوسط ارتفاعه 2300 متر فقط، ومساحة سيناء كلها بما فيها الجبل لا تتعدى 61000 كيلو متر مربع. جدير بالذكر، أنَّ سيناء التي نعرفها اليوم في مصر الحديثة، لم يكن اسمها سيناء في زمن موسى وفرعون، بل كان اسمها "مفكات" وهو ما يعني أرض الفيروز، وما يسمّى جبل الطور في سيناء مصر الحديثة كان يسمّى جبل "ريثو" (المصدر أعلاه).

التعليقات