رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/10/30

[email protected]

 

لا أدري، كم كانت الساعة حين نمت الليلة الماضية...!! فقد أطفأت القناديل مبكرا وعدت إلى المدينة القديمة لأستمتع إلى أصوات الليالي المقمرة، فبين كل فترة وأخرى، نحتاج لغسل عباءات أحزان الغربة تحت أضواء القمر.. ونحتاج إلى تجديد الذكريات الهاربة من الأقبية القديمة.

في العادة.. تبدأ الأصوات، بعد أن ينتصف الليل وتهجع المدينة وتغط في نوم عميق لا يقطعه إلا نباح كلب ضال يبحث عن طعام في أزقة العتمة. أو مواء قط جريح داس على زجاج متكسر.. أو أزيز مروحة السقف العتيقة في صالون بيتنا القديم.

بعد منتصف الليل، تهدأ دقات النوبة قليلا وتهدأ معها أصوات الذاكرين وأهل الله.. فقد نال منهم التعب وتمايلوا كالسكارى وما هم بسكارى، وصرعتهم النشوة، فتساقطوا كالصرعى وما هم بصرعى.

الأصوات في الليالي المقمرة، لها رنين خاص.. صفير القطار وهو يقترب من محطته النهائية فيفزع قلب عاشقة يشدها الانتظار لحبيب عائد إلى المدينة.. ويومض الفرح بين جموع أخرى تنتظر على الرصيف المضاء بنور النجميات البعيدة.

صوت مريض يسعل ويكح في آخر الليل ثم يخف صوته ويهدأ سعاله بعد أن يهرع إليه الجيران والأقارب، فيمسحون على صدره ويمدون له يد العون، وهم بذلك يسيرون على نهج السلف الصالح. صوت الراديو وهو يعلو بألحان المساء في ليل الحيارى والمتعبين وليل الأسرار والدموع والمواجع والحنين.. في المشهد برامج الإذاعة السودانية قبل منتصف الليل والراحل فراج الطيب يخرج اللسان العربي الفصيح في برنامجه المشهور.. أو برامج الكلمات الباكية كما الأسحار تبكي على عتبة الليل.

للأفراح نصيب من أصوات الليالي المقمرة، تأتيك أصوات الفنانين وهي مختلطة بأصوات الكمنجات الحزينة وزغاريد النساء في المناسبات السعيدة و(شوبش يا عريس).. وكما للأفراح نصيب، للأحزان نصيب أيضا.. عندما يموت شخص فتسمع البكاء والنحيب يقطع قلوب النائمين والسهارى..

وكما يقولون في اللغة السودانية الدارجة الخفيفة " دة كلو كوم.. ونقيع الضفادع كوم تاني".. تظل الضفادع تخرج أصواتها باستمرار دون توقف، وهي تتقافز في خزان المدينة فتعطي الإحساس بالأمن..

هي خليط من أصوات لا تجدها إلا في السودان.. شكلت بذلك النسيج المتماسك الذي كنا نفتخر به.. لا تدعو الفرصة للحزبية والعنصرية والقبلية أن تفسد لياليكم المقمرة..

ونلتقي

التعليقات