رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/04/05

حتى تمر العاصفة
عبدالقادر مضوي

عبدالقادر مضوي
 
بأمر الكورونا الذي صنع الخوف في القلوب، أجلس حبيسا في الدار.. والليل خلف نافذتي ينسج خيوط المساء الحزين، ويربت في شفقة على حريتي المسفوحة.. تبدو الشوارع خالية من المارة، وأنوار الصباح باهتة، والأزقة الضيقة تعج بالقطط الباحثة عن عشاء أخير في حاويات القمامة.. وبين كل لحظة وأخرى، أقفز مرتعبا من صفارات انذارالسيارات المسرعة إلى الوجهات المجهولة..
 
أسرجت خيولي وخيالي، وانطلقت وسط الضباب الكثيف ابحث عن أحلامي وأمنياتي التي تحققت وتلك المدفونة تحت أقبية الزمن.. تمنيت ذات صباح مشرق أن أصبح حطابا يعود متعبا إلى كوخه أواخر النهار.. وقبل أن يهجع يبسط كفيه للعصافير الصغيرة لترتشف شربة ماء ودفقة حنين، ثم تطير إلى أعشاشها دون وداع..
 
غدا وبمشيئة الخالق، تهزم البشرية هذا الفيروس اللعين وتعود إلينا أحلامنا المؤجلة.. تعود القطارات إلى محطاتها، وتلوح على الأرصفة مناديل الوداع.. غدا تعود المياه إلى جداولها، والرحيق إلى مياسم الزهر.. ويعود العرب الرحل إلى مضاربهم أطراف المدن البعيدة، يغنون للمطر ويصفقون للريح خلف الخيام والرواكيب والقطاطي.. غدا تعود المآذن تكبر حامدة الله للنصر المبين.. وتعود أجراس الكنائس تقرع فرحة ليلة عيد الفصح في بلاد الخواجات والنصارى وما تبقى من طليان..
 
غدا أعود إلى " بت الأنصاري" في دارنا القديمة، وأطلب منها أن تمسح جسدي وتفرك جلدي بزيت السمسم ، كما كانت تفعل ونحن صغار، ونغني:
يا سمسم القضارف الزول صغير ما عارف..
قليب الريد الريد.. كل ما هويتك شارف..
يا حبيب بريدك ريدة ريدة الحمامة لي وليدا...
 
 
أذكر في بداية السبعينيات، كان لجدي "إبراهيم شرو"، عليه رحمة الله.. عصارة سمسم في قريتنا "فروحة" غرب مدينة الأبيض.. كنت أجلس كل صباح بالقرب من جدي أراقب جمل العصارة وهو يدور حولها.. وأظل مكاني لا أبرحه، حتى يقدم لي جدي حصتي من " أم جقوقة" وهي بقايا السمسم بعد عصره..
 
أعود إلى الكتابة مرة أخرى، بعد توقف لعدة أسابيع، (حتى لا يقول الناس بأني هربت من جبهة الكتابة) على حد قول الكاتب الفلسطيني الراحل جبرا إبراهيم جبرا.. أعود إلى الكتابة لأطلب منكم أن تبقوا في منازلكم لتنعموا بدفئها، حتى تمر العاصفة.. ويهلك الفيروس اللعين.. ونردد رائعة سيد خليفة..
 
(غداً نكون كما نوّد ونلتقى عند الغروب
 
غداً تجف مدامعي وتزول عن نفسي الكروب
 
غداً تعود مباهجي.. غدا حبيبي حتما يعود)
 
 
 
ونلتقي...
 
[email protected]
 

التعليقات