رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/04/03

 

 

بقلم : السفير عبد المحمود عبد الحليم

كان كل شيء يسير على مايرام ليلة الحادى والثلاثين من ديسمبر المنصرم  عندما أعطت مدينة (اوكلاند ألنيوزيلاندية) و(سيدنى الأسترالية) إشارة الانطلاق لعواصم العالم المختلفة للاحتفال بالعام الجديد.. شهدنا عروضا  ضوئية مبهرة والعابا ناريةْ..وغناء وموسيقى كورالية لنشيد  الوداع الشهير  للشاعر الأسكتلندى روبرت برنز ، وبلغت الاحتفالات مداها فى اقصى الساحل الشرقى للولايات المتحدة  حين سقطت الكرة الزجاجية الضخمة من اعلى البنايات الشاهقة ب(التايم اسكوير) بمانهاتن ايذانا بغروب عام واستقبال عام جديد بتوقعات التفاؤل والأمل.

لم تكد حركة العام الجديد تمضى حتى ادرك العالم ان الذى سقط بالفعل ليس كرة التايم اسكوير بنيويورك فحسب وانما احلام العيش فى عالم بلا كوارث صادمة ومفاجآت مرعبة..اذ استيقظ الكون على وقع اقدام غول فاتك قادم من احزان  العصور الوسطى واساطير الآلهة الغاضبة متسللا من ازقة وحوانيت ومطاعم الحيوانات والطيور الحية والنافقة بمدينة ووهان الصينية ناشرا للرعب والفزع ليسجل اسمه ضمن اوبئة فاتكة سجلها تاريخ البشرية بحصدها للملايين مثل طاعون جستنيان والانفلونزا الأسبانية  والجدرى والكوليرا ، على ان القادم الجديد المستتر بغموضه وسرعة انتشاره سلب عالمنا المتعولم والمنفتح اهم أدواته وخصائصه فأعطى للعالم اوامرا بالانغلاق وقفل الحدود على نحو غير مسبوق بين الدول وداخلها..فانفض سامر العشاق والأحباب ، ومنعت الصلوات وزيارات الأماكن المقدسة ، وتوقفت حركة النقل والتواصل بين الدول ، واصيبت المطارات بالجدب ، واختفت الأصوات الجميلة المبشرة بوصول الطائرات ومغادرتها ، وكتب للسفن ان تقضى اياما اشبه بعدة الأرامل بموانئ بلادها ، واغلقت المسارح فأصبح العالم مسرحا كبيرا للامعقول، وهجر الناس (برج ايفل) و(جادة الشانزليزيه) و(اوبرا ايطاليا) ، وذبلت التماعات الضوء فى (شارع برودويى) بنيويورك، علاوة على تبعات مدمرة وبالغة الأثر أحدثها هذا الفايروس القاتل على الاقتصاد العالمي فقالت انجيلا ميركل مستشارة المانيا أن الجائحة هى اكبر تحد يواجهه العالم منذ الحرب العالمية الثانية، ووصفها مدير عام منظمة الصحة العالمية توادروس أدناهوم بانها "عدو البشرية" بينما دعت المملكة العربية السعودية الرئيس الحالى لمجموعة العشرين لعقد قمة افتراضية طارئة لقادة هذه الدول للتداول حول وسائل الاستجابة ومكافحة هذه الجانحة وبحث تلافى آثارها المدمرة على استقرار العالم وازدهاره الاقتصادى وتعزيز التعاون الدولى فى وجه هذه الاخطار المحدقة.

وقد بدأ واضحا ان الوعود المليارية التى وعدت بها القوى الكبرى  فى وجه هذه العاصفة لإنعاش الاقتصاد العالمي لم تنجح بعد فى ايقاظ اسواق العالم العليلة ووقف تراجع البورصات فى قارتى آسيا واوروبا..ولم يفلح خفض المصارف المركزية لاسعار الفائدة ودعم الدول للانشطة الاقتصادية فى احداث التوازن المطلوب حيث يخشى حدوث ركود هائل فى الاقتصاد العالمى هذا العام والاعوام التالية  بكل تداعيات ذلك على الامن والاستقرار  والتنمية فى العالم.

واذا كان الانفتاح والاندماج العالمى قد اصيب فى مقتل فان من سخريات الاقدار ان اوروبا تغلق ابوابها في وجه دولها بينما كانت فى السابق تغلقها امام موجات الهجرة الوافدة اليها من افريقيا وغيرها ، بل تعلن أوروبا كبؤرة للوباء  وهى التى طالما عيرت  افريقيا بانها بؤرة للأمراض المستوطنة.

يبدو ان العالم كان يعيش وهم عدم الاختراق فلم تهزه قبيل تفشى هذه الجائحة تطورات استراتيجية خطيرة اهمها انسحاب الولايات المتحدة وروسيا من التزاماتهما بموجب معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى مما يفتح بابا واسعا لاستعار التسلح النووى من جديد بل و الحديث عن الرغبة فى عدم تجديد معاهدة خفض الأسلحة الإستراتيجية(استارت) عندما يحين أوان ذلك قريبا.

لم يقف العالم كثيرا امام خروج بريطانيا عن المنظومة الاوربية أو صعود انظمةشعوبية معادية للعولمة...لكنها الكورونا.

فى اليوم التالى ..ستكون لجائحة الكورونا هذه آثارا هائلة وبعيدة المدى ليس فقط في المنظور الصحى والطبى ولكن على الصعد السياسية والاقتصادية والاستراتيجية بل واعادة تعريف العديد من القضايا والمسلمات...ان كان بوسع الدورة  القادمة للجمعية العامة للأمم المتحدة أن تعقد فربما يتخلى القادة والزعماء هذه المرة عن دمغ  مناوئيهم بارتداء قناعات سياسية زائفة ، والتركيز عوضا عن ذلك على ارتداء الكل للقناعات والكمامات الطبية لمواجهة العدو المشترك وتعزيز التعاون الدولى للتغلب على تحديات العصر، لعل النخب السياسية تترك جانبا المساجلات الدائرية ، وتركيز العلماء على دراسة التاريخ الاجتماعى للفيروسات والقضايا المرتبطة بهذا الفيروس تحديدا، كيف امتلك تلك الخواص الاستثنائية العابرة للقارات.. كيف يمكن سبر اغوار جينومه الخارق، ماهى الاعطاب التى يمكن ان يخلفها بجسد المريض بعد التعافى.

لعل المنتديات الدولية والحكومات تركز أيضا على حتمية الاسراع بتنفيذ الهدف الثالث من اهداف التنمية المستدامة المعتمدة دوليا وهو البند الخاص بتمويل الصحة ومكافحة الاوبئة كأحد مطلوبات المرحلة القادمة.

عند غبرائيل غارسيا ماركيز فان كل شيء يمكن ان يتحول الى ادب.. ولعلنا نشهد فى هذأ الاطار أيضا  ازدهارا "لأدب الاوبئة"، لدينا سلفا"كفارة البيك يزول،"  و "ياخى بعد الشر عليك"...لكن يتعين بالضرورة  ان نلتزم هذه المرة بوصية الفنانة منى الخير ..."..من بعيد....لبعيد.....ياحبيبى سلم..."  

اتبعوا التوجيهات.....مع دعواتنا للجميع بالحفظ والعافية.

*صحيفة اليوم التالي*

التعليقات