رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/04/08

 

امير بابكر عبدالله 

أزعم بأني كاتب رواية، دون تصنيفات الكتابات الابداعية الأخرى (كاتب قصة، كاتب مسرحي، كاتب سيناريو، كاتب شعر، ...)، كما أزعم بأنني كاتب عمود ومقالة صحفية، دون تصنيفات الفنون الصحفية الأخرى (تقرير إخباري، تحقيق صحفي، استطلاع، حوار، ...).

انطلاقا من الزعم الأول، أشك في كتابة رواية مخطط لها تحمل داخلها أسطورتها الخاصة، ففي ظني أن كل رواية لا بد وأن لها أسطورتها الخاصة وهذا ما يتنافى مع زعم الكاتب الروائي بالتخطيط المسبق لروايته المنتجة. رغم أن هذا لا ينفي أن بعض الكتاب يجلسون إلى الطاولة ويضعون خطة لكتابة رواية ما من مدخلها وشخوصها وكل تفاصيل امكنتها وازمنتها وحتى نهاياتها. ويخرجون في نهاية الأمر برواية منشورة وربما تجد الترحيب الكبير وتتصدر قائمة المبيعات وووو. لكنها في النهاية، بالنسبة لي، هي رواية مصنوعة تفتقر إلى بناء أسطورتها المتمردة على القوالب الجاهزة وبالتالي تفتقر إلى تلك الروح التي يحسها القارئ ولا 

يراها بين دفتي الكتاب.

بالنسبة لي، تلمع في رأسي فكرة ثم تصير علقة فمضغة إلى أن أجلس لأكتب الرواية المزعومة. ما أن أخط اول كلمة على الكيبورد حتى يطير كل شيء، لتبدأ الرواية في كتابة نفسها ويستحيل الأمر إلى فوضى. اذا وقفت في طريق شخوصها او احداثها، توقفت هي ويقف حماري في العقبة. يمكن أن تأخذ الفقرة الأولى منها ثواني او شهور، إلى أن تصل إلى قناعة أنها قد تحررت عن سيطرتي، لتواصل سردها وحكيها، الأماكن تنشأ هكذا فجأة، والأحداث تجري والشخوص تتحرك وانا مجرد مراقب.

اما عند كتابة المقالة او العمود الصحفي، فالأمر مختلف، فأنا هنا المسيطر بالكامل. الفكرة ينتجها ذهني، من اي وحي جاءت، ويخمرها ثم يقودها عبر صياغة متدرجة إلى أن تبلغ هدفها، اتحكم فيها كيف أشاء واقودها حيث اريد، واضمنها الرسالة التي ارغب في ان تصل إلى القارئ.

وأيضا أزعم بأنني سياسي، مارست السياسة متفرغا لها جزءا من حياتي. يدعم هذا الزعم انني انتخبت يوما ما رئيسا للمكتب التنفيذي لحزب التحالف الوطني السوداني.

لا يختلف مشهد ممارسة السياسة في السودان، بحسب تجربتي ومتابعتي، عن كتابة الرواية لحظة استحالتها إلى فوضى. تجد الكثير من الديباجات المنمقة والبرامج السياسية الواعدة والرؤى الفكرية الثاقبة، كل ذلك يتم داخل الغرف المهيئة والاجتماعات المعد لها جيدا، والعصف الذهني الذي يسبقها، والحوارات التي تصاحبها، وتبصم عليها المؤتمرات والاجتماعات الموسعة. وما ان يخرج كل ذلك إلى الخارج في الهواء الطلق ليتحول الى ممارسة، حتى يستحيل كل شيء إلى فوضى. فأذا بالبرامج تعيد صياغة نفسها تفاعلا مع الهواء الطلق، والرؤى تتحول إلى حالة من السيولة وهي تخاطب الواقع الماثل أمامها. وهذا الأمر ليس رهين بالقوى السياسية وإنما ينسحب على السياسات الحكومية وبرامجها. وهذه الحالة ظلت ملازمة لتجربة سياسة الحكم في السودان منذ الاستقلال، فمنذ التعهد بفدرالية الجنوب في برلمان الاستقلال ١٩٥٥ والى الوثيقة الدستورية التي تمخضت عنها ثورة ديسمبر ٢٠١٨ والتي اجيزت في اغسطس ٢٠١٩.

من مظاهر فوضى السياسة في السودان، أن الأحزاب والقوى السياسية لا تتجلى قدراتها واحقيتها في حكم البلاد الا وهي في موقع المعارضة، حيث لم تبدأ كتابة الرواية بعد، وما ان تدخل متاهات القصر الجمهوري ودهاليز مجلس الوزراء حتى تتوه حينها وتعيد البرامج والرؤى كتابة نفسها تواؤما مع الواقع الجديد، متنكرة لكل تلك الجهود التي حاولت ضبطها في أروقة الغرف المغلقة والمؤتمرات المفتوحة.

ومن عجب أن بعض الأحزاب التي ظلت تناضل وتكافح للوصول إلى السلطة، ومن أجل هذا وجدت اصلا الاحزاب، ما أن تجلس على دست الحكم حتى تحن إلى المعارضة. وهذا من طبيعة فوضى ممارسة السياسة، وتتمنى الهروب من واقع غير قادرة على السيطرة عليه. وذلك يعود إلى عدم تأهيلها لنفسها بما فيه الكفاية، كما يعود لاستسهالها مسألة الحكم وكأنها ستدير البلاد والعباد كما تدير شؤون حزبها وعضويتها. اما الأحزاب التي تتشبث بالسلطة، التي سعت لبلوغها بشتى الوسائل، فهي اصلا لا تمتلك الرؤى والبرامج الواضحة، لذلك لا تعاني كثيرا في الارتجال بما يتوافق ومصالحها بعيدا عن الالتزامات الفكرية والأخلاقية، فهي تستسلم تماما لمصيرها وتترك الحبل على الغارب لتمضي بها الشخوص حيث تمضي وتقودها الطرقات الخالية من إشارات الاتجاهات، لذلك لا تشعر بالقلق، قلق كاتب الرواية الذي بدأ من النطفة ثم العلاقة ثم المضغة قبل أن يقف متفرجا لكنه يظل قادرا على وضع حد لكل هذا بأن يكتب عندما يشعر ببلوغه ذروة الانهيار الداخلي:"النهاية"، لذلك هم لا يكتبون النهاية لأنهم لا يشعرون بذلك إلى يفاجأوا بأنهم خارج دورة التاريخ. 

أكثر من ستة عقود من الفوضى أنتج كتابنا روايات عديدة، احتلت بعضها ارفف المكتبات العالمية وبعضها يستحق أن يجد مكانه، دون أن يفقدوا الرغبة في حياة فوضى كتابة الرواية مرة اخرى. وأكثر من ستة عقود متزامنة عاشها السودان في فوضى السياسة والساسة دون أن يمتلكوا قدرة السيطرة والتحكم وتوسيع زووم الرؤية في غياب الرؤيا، ليستطيعوا حكم بلد بحجم السودان وحكم شعب كشعب السودان ويقودوه إلى بر الأمان.

التعليقات