رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/08/09

تداولت الوسائط الاجتماعية السودانية قصة واقعية، اصطدمت فيها الإدارة المحلية متمثلة في شخص الناظر إبراهيم موسى مادبو (ناظر عموم قبائل الرزيقات في الفترة 1920 -1960) بالنهم المادي لأحد التجار، الذين لم يكن مطلبهم الاستهانة بالمورث الديني وإنما طغت رغبتهم في تحقيق ربح تجاري، وتحصيل مردود آني. وذلك باستحداث بيع الخمور في دار الرزيقات في ستينيات القرن الماضي. 

أورد القصة الأستاذ/ اسماعيل محمد بخيت - كإحدى الوثائق التاريخية - في صحيفة الصحافة بتاريخ 6/8/2011 وعلق عليها قبل أيام الأستاذ/ أحمد محمد عثمان من ولاية أوكلاهوما، في مقال قصير بعنوان "مادبو ناظر الرزيقات وإراقة الخمور". مفاد القصة أن الناظر لم يكتف بإلغاء التصديق الذي حصل عليه التاجر من مفتش المركز، بل جلد التاجر أربعين جلدةً وأمر بإراقة الخمر ودفن الزجاج الفارغ كي لا يتأذى برائحته الأهالي. عاتبت السلطات البريطانية سعادة الناظر على تكسير قراراتها، التي لم يجرؤ زعيم حينها على التصدي لها في كل نواحي السودان، لكنه أعلمهم بأن بيع الخمر والمجاهرة بالرذيلة يتعارض مع موروثات قومه وقيمهم الدينية. 

في تلك الأيام الزاهيات، كان النظار والمكوك وزعماء الطرق الصوفية يمثلون المرجعية الأخلاقية لمجتعماتهم، وإن بدأ الأفندية تدريجياً ينافسونهم في سلطتهم التنفيذية، بحق ومن دون حق. أعد الأنجليز عدتهم للخروج من السودان عام 1952 وقد كان من المفترض أن يخرجوا عام 1972 بالنظر إلى التدابير الإدارية وليس الإستعمارية فقط، فأستعجلهم الطامحون وحلوا مكانهم دون أن يتهيأوا للادارة، أو يتدربوا على ممارسة السلطة التي قنعوا منها بالمظهر دون الجوهر. ورغم ذلك، فلا يمكن مقارنة الرعيل الأول صاحب المزاج الوسطي والخلق النبوي، بالمجموعات الأيديولوجية التي تسلقت من القاع وصولاً إلى القمة، دون أدنى معرفة بأسس الحكامة الحديثة أو القديمة. 

لم يفتأ السودان يعاني من شكل ذاك التنافس غير السوي، حتى بلغ دركاً لا يكاد يأمل منه في منجىً أو مخرج. كان الزعماء التقليديون ينظرون للأفندية كأبنائهم، بل وشركائهم، الذين يعولون عليهم في نهضة البلاد. أمّا الآخرون، الأفندية التعيسون، فقد كانوا على بؤسهم وضيق أفقهم "يدسّون المحافير" كي يحتلوا مكانة أعمامهم أولئك، دون أن يمتلكوا عظيم الصفات التي تجعل المرء يَسُود في قومه، وإذا لم يستطيعوا أن يرقوا إلى سامق قممهم، فقد سعوا إلى إزاحتهم وتجريدهم من صلاحياتهم، تجريداً دمّر السودان وأربك كافة بنياته الإجتماعية والإقتصادية. 

أغلب ظني أن توقيت القصة له صلة بالأساليب التي تسعى مجموعات اليسار ويسار الوسط إلى حسم أمر المرجعية القانونية بها في دولة ما بعد الإنقاذ. قناعتي أن كِلا الأسلوبين غير مناسبين في عالم اليوم: فالأساليب الأسدية (إشارة إلى الناظر مادبو الذي كان يلقب بخشم الباحش) و الأساليب الخفافيشية (إشارة إلى الخفافيش أو أبو الرقيعات التي لا تخرج إلا بالليل) ما عادت مقبولةً في عالم اليوم الذي تكتنفه تعقيدات سياسية واجتماعية جمّة. 

كون الإنقاذ أساءت إلى الدين وأمعنت في الإساءة إليه، هذا لا يلغي مشروعية التدين، لكنه أيضاً لا يبرر استدعاءه بصورة فيها نوعٌ من النوستالجيا كما يفعل العوام، أو يتقرر إقحامه بصورة تسئ إلى  المقاصد الحنيفية، التي اتخذت الشريعةَ وسيلةً لتحقيق العدل، ولم تتخذها أداةً لتقنين الظلم، كما تفعل بعض النخب السياسية والعسكرية. أعجب حد الضحك والبكاء سواء – بمعنى أنني أدخل في حالة هستيرية – عندما أستمع لبعض العسكريين (الما بيغبوكم)، وهم يقولون: "الشريعة خط أحمر!." 

قبل أن نتطرق لقضية تصميم وتنفيذ السياسات، لابد أن نتبين الفرق بين فصل الدين عن الدولة، فصلاً يجعل الأخيرة في مسافة متساوية من الكل، (والكل لا يعني فقط المسلمين وغيرهم، إنما أيضاً جماعات المسلمين المختلفة والمتباينة في نظرتها لضوابط التشريع)، وفصل السياسية عن الدين كإجراء تعسفي لا تستقيم معه حركة المجتمع، الذي يستمد حيويته من قيمه ويستلهم روحه من سردية الانتماء التاريخي لأمته.

تقوم ركائز الدستور على المبدأ الأول (فصل الدين عن الدولة)، وتنبثق مفهومية السياسات من المبدأ الثاني (اتساق السياسات مع القيم والمعتقدات). لا يمكن للسودان أن يستقر إلّا إذا أخذت الدولة مسافة متساوية من الكل وذلك بتقنين المبدأ الأول، بيد أنه لا يمكن مطلقاً فصل القيم عن تصميم السياسات وذلك بالإشارة إلى المبدأ الثاني. مثلا، يمكن أن يكون هناك نظامان مصرفيان في ظل دستور علماني، لكن ذلك غير ممكن في ظل دستور ثيوقراطي يستمد مفهمويته من ممارسات قرسطية، ترسخت في مفاهيم بعض المسلمين على أنها "الشريعة الإسلامية!" 

الدستور العلماني لا يلزم الجماعة بتبني وجهة نظر معينة، كما يود لنا "الخفافيش" أن نتصور، الدستور العلماني يضمن النظم ويضبط الإجراءات المؤسسية التي تهيئ للمواطنين في الدائرة المعينة تمرير القوانين التي يريدون العيش في كنفها، دون عسف أو ظلم. 

الدستور العلماني، بعكس ذاك الثيوقراطي لا يتبنى وجهة نظر محددة، كما لا يتبنى أساليباً ملتوية لتحقيق غايات صحية أو آخرى مرضية من شأنها أن تتضارب مع قيم المجتمع التي هي دوماً في تغير وتبدل. 

الدستور العلماني يفسح المجال للحوار العلمي والديمقراطي، سيما أن هناك أراء مختلفة ومتضاربة في شأن الخمور وتعريفاتها، لكن الفقهاء في فترة تاريخية معينة اتخذوا إجراءاً تعسفيا حَرَّموا فيه النبيذ بأنواعه، والشربوت بمشتقاته... إلى آخره من القضايا الفرعية التي لا يسمح المجال لذكرها. وقد لا يملك الكاتب مجرد الأهلية للخوض فيها، لأنه يتكلم من  زاوية العلوم السياسية وليس من الزاوية الفقهية المحضة. 

الدستور العلماني يُعَلْمِن المجتمع، بمعنى أنه يجعله أكثر عقلانية، كما يجعل السياسة أكثر أخلاقية، لأنه لا يعطي حق الوصاية لأحد. فأين هم العلمانيون من العلمانية وأين هم الإسلاميون (وحتى المسلمين) من الإسلام؟

أود أن أدلِّل في هذه السانحة على رجاحة ما ذهبت إليه، بإيراد جوانب تطبيقية كي لا نضيع في متاهات الآراء الفقهية. في ظل الدستور العلماني، كانت نسبة المُعْسِرين 10 في المئة حتى أوائل الثمانينات (الذين عجزوا عن دفع استحقاقات الديون للبنوك)، في ظل الدستور الإسلامي، كانت نسبة المعسرين 90 في المئة؛ في ظل الدستور العلماني كان المجتمع معافى، في ظل الدستور الإسلامي ازدادت نسبة الأطفال غير الشرعيين، كما زادت نسبة الحوادث الناجمة عن السكر 400 في المئة وذلك بعد عام 1984، هذا غير الجرائم الأخلاقية الأخرى، التي بدأت بإفقار الشعب وانتهت بإرتكاب الإبادة الجماعية. 

أرجوكم لا تحدثوني عن "الشريعة الإسلامية" و"المشاريع الحضارية"، فقد رأيت مآسيها في أفغانستان وإيران قبل السودان، كلموني فقط عن الأخلاق المحمدية والنظم الحضارية، فقد رأيت ثمارها في تركيا وماليزيا وما جاورها من بلاد البلقان. 

أمّا بالنسبة لفلول اليسار ويسار الوسط (وهنا يلزم التمييز بين الوطنيين الحادبين والانتهازيين الولهين الذين يتواجدون داخل كل مجموعة)، التي اتخذت الفترة الانتقالية فرصة لتمرير أجندتها وتقنين مواقفها الأيديولوجية، فأقول لهم كونوا شجعاناً وأجروا حواراً مع المجتمع، لا تفرضوا آراءكم، فنحن نعرف منعرجات فكركم السقيم، ونخبر منطلقات عقائدكم الفاسدة؛ اعملوا فقط على تقنين الوسائل والإجراءات، التي تهيئ المواطنين لتحديد مواقفهم على دراية ورشد، إن استطعتم، وإلّا فما الفرق بينكم وبين الإنقاذيين، الذين اتخذوا العماية وسيلةً لتحقيق أهدافهم التي لم تتجاوز سبل تقنين الوصاية؟

الخفافيش – التي تُسَرِّب مقترحاتها ليلاً لمباني وزارة العدل – أعملت فكرها ونهلت من عبقريتها فخرجت علينا بقانون يجيز بيع الخمر لغير المسلمين. ما قيمة هذا القانون في بلد لا تتجاوز نسبة غير المسلمين الواحد والنصف في المئة؟ لماذا لا نقر علمانية الدستور ونترك أمر التشريع للمحليات كي تتخذ من الإجراءات ما يتناسب وواقع مجتمعاتها وثقافة أفرادها؟ فقد رأيت الخمر متاحة في بعض الولايات الأمريكية وممنوعة (أنظر ليس محرمة) في البعض الآخر، كذلكم الدعارة والميسر، أي القمار. 

الأهم، أن المجتمعات الغربية نجحت في أنسنة العلاقات بين الجنسين، مثلاً، فلا يلجأ إلى صحبة المومسات إلّا المرضى وأصحاب العاهات النفسية. وإذا كان الشباب في بلادنا يتخذون مجالس الأُنس سببا للسكر، فإن الغربيين يشربونها ترويحاً عن النفس، ومع ذلك فالإحصائيات تشير إلى أن الدولة في بريطانيا مثلاً تهدر 40% من الميزانية المدرجة للصحة بسبب إسراف المواطنين في تناول "المشروبات الروحية"!. 

السؤال: لتدارك هذا الخلل، هل كانت بريطانيا ستصدر قراراً يبيح بيع الخمر لغير المتدينين سيما أن المسيحية تُحِل فقط شرب النبيذ ولا تُقر الإسراف في تعاطي الخمور؟

 الإباحة النسبية في نظري هي أخت التحريم، والتحريم لم ينجح مطلقاً في إحقاق الفضيلة، أو إلغاء حتمية الصراعات الفكرية – التي هي في نظري ظاهرة صحية – إذا اتُّخِذَت لها التدابير المؤسسية والضوابط القانونية، كأن يقام المؤتمر الدستوري الذي كان من المزمع أن تُناقَش فيه كافة القضايا العالقة. الواجب اتخاذ التدابير التربوية والتوعوية، التي تنأى بالمجتمعات عن التهلكة، التي تحدث من جراء اتخاذ الساسة طرقاً غير مباشرة لتحقيق غاياتهم العليا ومراميهم السامية. فلنخرج إذن وبسرعة من "المستنقع الفقهي" إلى "الأفق التنموي". والمقصود من وضع المصطلحين بين المزدوجتين هنا، أن الفقه دون أفق تنموي يصبح عالة، والتنمية دون مرجعية فقهية تصير وبالاً. فلنحذر كلا الأمرين!

التعليقات