رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/08/06

#خارج_الدوام

 

محمد عثمان إبراهيم

حسم السيد رئيس الوزراء د.عبد الله حمدوك الجدل حول تعيين ولاة الولايات أمس الأول بعد مباراة شد وجذب استمرت لما يقارب العام، وحبس كثيرون أنفاسهم اشفاقاً على التجربة الجديدة من الانهيار على خلفية التنازع الحالي بين القوى السياسية وأصحاب النفوذ والقبائل ومنتظرو التوظيف على رصيف اتفاقيات جوبا.

بالنسبة لمواطني ولايات الشرق الثلاثة في البحر الأحمر وكسلا والقضارف يصبح كل شيء مكبراً فهاجس التدهور الأمني لدى المواطن هناك أكبر منه في أي ولاية أخرى، وهاجس التراجع في الإنفاق الحكومي على الخدمات سيعني مئات الجثامين على الفور في مناطق اشتهرت بالأوبئة والفيضانات وكوارث الموت الجماعي.

جاء اختيار الولاة الثلاثة موفقاً إلى حد كبير بقراءة معظم تعيينات عهد ما بعد الثورة التي اعتمدت على الشلليات وتجاوز معايير الكفاءة والقدرة على العطاء فوالي البحر الأحمر المهندس عبدالله شنقراي شخصية مهنية مشهورة بالإستقامة المهنية، والانشغال العريض بالتنمية، والأعمال الاجتماعية الكبيرة، والتعفف عن المناصب وقد كان مرشحاً من قبل لعضوية مجلس السيادة ومجلس الوزراء واعتذر عن كليهما والمؤكد أنه ما وافق على الترشيح لمنصب الوالي إلا لأن لديه عطاء ينوي تقديمه هناك، ويثق في قدرته عليه.

وفيما يأتي الأستاذ صالح عمار من تجربة مهنية مختلفة في العمل الصحفي والنشاط المكثف في المنظمات السياسية التي كانت معارضة لنظام الإنقاذ وفي العمل ضمن منظمات المجتمع المدني، إلا أنه يدخل في تجربة مسنودة بصلاته الواسعة في دهاليز قوى الحرية والتغيير، كما إن انتمائه لجيل الشباب من نشطاء شرق السودان يعتبر رصيداً اضافياً له وهو يحمل برنامجاً عكف عليه خلال أشهر من المشاورات الواسعة مع خبراء ومهتمين وأصحاب نفوذ من رجالات الإدارة الأهلية والمجتمع المدني.

في القضارف أتى ترشيح الدكتور سليمان علي موسى وهو طبيب حسن السمعة ينتمي إلى مكونين إثنيين راسخين ويحمل سيرة مهنية طيبة وبرنامجاً قال مراقبون أنه معني بترقية الخدمات. ولحسن حظه فإن ولايته لا تشهد انقساماً قبلياً حاداً مثل جارتها كسلا، ولا تعاني محلياتها من الفقر الشديد بسبب توفر الكثير من الإيرادات المتنوعة.

تاريخياً كانت الولايات الثلاثة ضمن الإقليم الشرقي الكبير وهناك تداخل سكاني وقبلي واقتصادي كبير بينها وبهذا المنظور فإن ثمة تنسيق – حتى لو كان غير رسمي - بين الولاة الثلاثة سيظل أمراً مطلوباً ومهماً. النظرة الكلية للتعيينات في الولايات الثلاثة تحمل صورة إيجابية ممتازة إذ أن التنسيق والتشاور بين الولاة الجدد والتعاون بينهم ستكون له آثار إيجابية كبيرة مثلما إن عدم التنسيق ستكون له آثار وخيمة وضارة وشهدنا قبل أقل من عام كيف انطلقت شرارة مشاجرة في ضاحية نائية بين بائع مياه تقليدي (سقاء) وربة بيت في ضاحية تقليدية بالقضارف لتتحول إلى حروب قبلية في بورتسودان وكسلا.

قبل أسبوع أقام حزب سياسي محلي ندوة في بورتسودان للمطالبة بتعيين شخص حدده بالإسم في ولاية كسلا مما يعني أن المواطنين ينظرون إلى الإقليم كله بنظرة أشمل من تلك التي رسمتها خطوط الحكم اللامركزي في دواوين حكام الخرطوم.

ها قد حصل مواطنو الإقليم على حكم الولايات الثلاثة ويمكنهم من هنا التأسيس لتجربة جديدة في الحكم الراشد وجبر الخسائر فالقبيلة التي لم تحصل على منصب الوالي في كسلا يمكن أن تحصل على منصب نائب الوالي، وتلك التي لم تحصل على منصب الوالي في القضارف يمكنها الحصول على منصب وزير المالية في البحر الأحمر، شريطة أن يتأسس التعيين أولاً على معايير الكفاءة والإستقامة والإلتزام بأولويات الجماهير، ثم تأتي التوازنات القبلية والطبقية والجندرية في المرتبة الثانية.

على الولاة أن يستقووا بسلطاتهم، وألا يخضعوا لإبتزاز الخارجين لتوهم من سلطة الإنقاذ التي انقضى أمرها ويريدون تغيير جلودهم، وعلى الولاة أن يولوا اهتمامهم الحقيقي بالإنفاق على الصحة والتعليم وبنياتها الأساسية فالإقليم كله عبارة عن مستنقع للأمراض والأوبئة دون علاج في متناول الأيدي.

وإن كان ثمة كلمة ضرورية فهي بالتحديد عن ولاية كسلا التي عانت الطبقة السياسية المدينية فيها من تجريف كبير طوال العقدين الماضيين بسبب الهجرة الكثيفة لمواطني ولايات نهر النيل والشمالية إلى الخرطوم، وقلة انشغال أهل المدينة عموماً بالشأن السياسي لتتحول مراكز النفوذ إلى الأرياف التي قدمت قادة سياسيين أدنى تحصيلاً علمياً ومعرفة وأقل اهتماماً بالتنمية والخدمات والسياسات العامة وأكثر حرصاً على السلطة والثروة فقط. 

إن إحدى مهمات الوالي الجديد هي صناعة طبقة سياسية ذات عمق حضري من جيل المتعلمين الشباب العابرين للإنتماءات القبلية، أما ضجيج رجال السلطة السابقة فهو أمر طبيعي مرتبط بقسوة النزع لكن الزمن كفيل بمداواة ذلك، وإقناع الجميع بأن استعادة تلك السلطة سيكون مكفولاً قريباً عبر صندوق الانتخابات.

على الجميع مساندة حكومات الشرق الثلاثة ومؤازرتها لتهتم بتوفير الخدمات ومحاربة الفساد وحسن الإدارة، وإلا فإن غالب الميزانيات الشحيحة ستتحول إلى الانفاق على الأمن ولن يتم تغيير الولاة بسبب رغبات هذا الرافض أو ذاك لكن سيجني المواطنون العدم ويأكلون الحصرم. هذه لحظة فارقة لإعمال العقل والعودة للرشد.. ألا هل بلغت؟ اللهم فأشهد.

#الصيحة ٢٤ يوليو ٢٠٢٠م

التعليقات