رئيس التحرير: عادل الباز
  • 2020/08/06

  • 2020/04/03 الساعة PM 03:08
محجوب شريف في ذكراه.. تجمع ما بتفرق، بين الناس تساوي


الخرطوم: الاحداث نيوز

تمر هذه الايام الذكري السادسة لوفاة شاعر الشعب "محجوب شريف"، ولعل ما يميز محجوب شريف عن غيره في إشعاره هو قدرته المدهشة علي تحويل العادي الي حدث يحتفي به ببساطة وسهولة تصعب علي غيره، فليتقط المفردات العادية والشائعة ليحولها شعرآ يترنم به في ابلغ تمثيل لمقولة "السهل الممتنع" فكم من مفردة عادية يعرفعها الجميع تحولت عندة لمشروع كبير تداعي له الجميع بالإهتمام والرعاية وألتفت حوله الطاقات الشبابية والمجتمعية وتشهد علي ذلك مبادرات أنشأها ورعاها وتبناها مثل مبادرات "رد الجميل".
كان محجوب شريف مثالا للصدق والنزاهة والبساطة التي تتجلي فية بأقصي حالاتها توجها وهو يترفع عن الصغائر ويسمو بنفسة وهو يعفو عن جلادية وسجانية لم تكن سنوات السجن بالنسبة له سوي فترات للتأمل في المصير الإنساني الذي يتساوي فيه جميع البشر بمختلف توجهاتهم فالإنسانية عنده هي الرابط الأسمي الذي يجمع بين الناس فلا مجال للتفرقه بين فرد وآخر وجسد الراحل الشخصية السودانية الشفيفة بإقتدار، عاش فقيرا ومات فقيرا كالذاهدين والمتصوفة الا من حب الناس وياله من حب وهنا يمكن القول والزعم وهو زعم مشروع ان مجحوب شريف من قلة قليلة لا يختلف حولهم إثنان.
ولد الراحل في إحدي قري المسلمية بولايه الجزيره وعاش فيها صباه ودرس الإبتدائي والمتوسطة بمدارس المدينة عرب بالمناقل والتحق بمعهد المعلمين العالي وعمل بعد تخرجه بالتدريس وكان مسئولا عن مناشط التربية الفنية بالمدارس الثانوية الي إن تم فصله في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
 إنتمي محجوب شريف، لليسار السوداني في فترة مبكرة من حياتة مثل كثير من ابناء جيله الذين رأوا في الحزب الشيوعي السوداني ومبادئه العمالية التي ركزت علي الإنسان وحقوقه وضرورة تنميته لتحقيق ذأته وتطلعاته في العيش الكريم هروبا من الطبقية المقيتة وإعمالا لمبدأ المساواة بين الناس كافة وهي الصفات والمبادئ التي عاش الراحل من اجلها وجسدها في حياته خير تجسيد، إلا أنه تعرض لمحنة ومرارة السجن عقب الهجمة المايوية التي قام بها الرئيس الراحل نميري مستهدفا الحزب الشيوعي وعناصره ورموزه فطاله السجن وقابله بصبر وجلد ولم ينكسر أو يهادن، وكتب الراحل العديد من القصائد التي إستحالت مرجعا لعاشقي الحرية والعدل والتساوي بين الناس فترنم بها الطلاب في اركان نقاشهم ومخاطباتهم الطلابية الحاشدة مستلهمين رؤي الراحل ومبادئه التي تدعو للمحبة والسلام ونبذ العنف والحروب التي لا طائل من ورائها، فجاءت قصائده تحمل الحب للجميع بلغة إنسانية رفيعة تنم عن روح تشبعت بالخير لكل الناس.
في فترة مبكرة من حياته تغني له الفنان الراحل محمد وردي بقصيدة "جميلة ومستحيلة" وهي الأغنية الخالدة التي ما زالت ورغم تقادم السنوات درة من درر الغناء الأصيل وفي فترة لاحقة تم إقتباس اسم الجميلة ومستحيلة للدلالة علي جامعة الخرطوم والتي لم يكن يدخلها الا النوابغ، وكانت حصرا للمبرزين منهم والمتميزين، إلا أن اغلب أشعاره تغنت بها مجموعة عقد الجلاد الغنائية التي ربطته بها صلة روحية لا يمكن وصفها والتعبير عنها فالمجموعة تدين له بالكثير من الاحترام بل يعد بمثابة اباها الروحي فتغنت له ب "صباح الخير مساء النور" و "تبتبا" و "نقطة ضو" و "الشارع" و "ود باب السنط" و "يابا مع السلامة" ومؤخرا لحنت المجموعه قصيدته "ام ادم" وادتها بحفل اقيم في ذكري وفاته الأولي.
تحكي القصة التي حدثت للراحل مطلع سنوات التسعينيات وبعد فصله من وظيفته كمعلم لمادة التربية الفنية التي اختفت من المناهج الدراسية في الحقب التالية، بعد فصله افتتح متجرا صغيرا لبيع الادوات المكتبية المدرسية وحدث ذأت يوم ان جاءته طفلة وهي تبكي، الطفلة بسنوات دراستها الاولي وطلبت منه كراسا وقلم رصاص فاعطاها ما طلبت لكنه سألها عن سبب بكائها؟ فأجابت ان ادارة المدرسة طردتها لعدم امتلاكها لكراس وقلم وهي الآن تبتاعهم من مصروف الافطار، فبكي الراحل وهو الرجل الكبير سنا لكنها الروح الطيبة والقلب الشفيف فاعطاها ما طلبت ويزيد وارجع لها نقودها واغلق مكتبته ولم يفتحها بعد ذلك.
هذه الروح المحبة للاطفال تجسدت في اعماله وقصائده..
فقال في "تبتبا" ..
نحن بنحلم وكم نتمني هي تحقق كل ما تحب
تبني حياتا الند بالند
اي مكانة وخانة وتسد سيبا تفرهد عايزة تفرهد
تحبي وتمسك وتاني تفك
بكره حترسم وياما تخطط

وفي يابا مع السلامة

وكم تحت المخدة
اكتر من مودة
للجنا والغريب
عشة عشب اخضر
وجدول من حليب

ينده للبنية
يديها الحلاوة
والخاطر يطيب

واللافت إن قصيدته "ود باب السنط" كتبها في رثاء الأديب الراحل علي المك الذي كانت تربطه به علاقة حميمة وكتبها بعيد وفاته الي ان لحنتها عقد الجلاد وقامت بادائها ليصبح رثاء خالدا كما إن قصيدته "يابا مع السلامة" كتبها أيضا رثاء لصديقه  الراحل "عبد الكريم ميرغني" والذي تميز بعلاقته القوية بمحجوب شريف وهذه الأغنية ذات شحنة وجدانية هائلة لا يمكنك وانت تستمع اليها الا ان تبكي فعند ادائها من قبل المجموعة تري الدموع بائنة في اعين الجمهور.
يصف الشاعر محمد طه القدال منهج الراحل محجوب شريف، بأنه يقوم علي قيم أصيلة وخصائل جليلة مؤكدا انه برع في التعامل مع الشعر ونظمه بما يخدم القضايا الإنسانية، لافتا الي ان محجوب شريف كان يحض الناس علي التسامح وتبني قيم التعايش بلا فروقات معينة وان يكونوا متجاوزين لما يصيبهم من بعض التجاوزات غير المقصودة.
وعند القدال فإن الحزن بالدواخل شئ طبيعي وقال نعم نحن نحزن ولكن لا نيأس وهي مطلع قصائده التي دوما ما تلهب حماس المستمعين ويدوي علي أثرها التصفيق.
ويقول عنه الشاعر عالم عباس، ان الموت ليس هو الفناء الابدي فالمبدعون والشعراء يموتون كما بقية البشر إلا ان أعمالهم ومنجزهم الشعري يبقي أثره باقيا يقف شاهدا علي ما تركوه من إبداعات مؤكدا ان النص لا يكتب من أجل النسيان بل هو باق في النفوس ما بقيت معتبرا ان الشعر يبقي وان ذهب قائله.

التعليقات